كريم نجيب الأغر
704
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
إذا تأكد لديك ما مضى تقريره ، فاعلم أن ما قاله بعض الفضلاء المعاصرين المشتغلين بالحديث والتفسير وهو : الشيخ الفاضل الدكتور محمد بازمول : ( واليوم يكثر الحديث عن الإعجاز العلمي ، وقد هجم بعضهم وذهب يقوي أحاديث حكم أهل العلم بضعفها ، وأحيانا بوضعها ، فيأتي هؤلاء « 1 » لما يراها توافق الحقيقة العلمية ويمهّد لإثبات الحديث بهذه الموافقة . وهذه طريقة لا تثبت بها الأحاديث ، بل إن الحديث ضعيف السند إذا وافق آية لا يحكم له بثبوت نسبته إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لمجرّد ذلك ، ما لم تكثر طرقه ، ويقوم من القرائن ما يجعل النفس تطمئن لذلك ، فكيف بمجرّد الموافقة للواقع العلمي ؟ ) « مجلة جامعة أم القرى ، ( ع 26 ) ( ص 261 ) » . اعلم أن ما قاله هذا الشيخ الفاضل المعاصر لا يتجه مع ما سبق نقله من كلام أئمة هذا الشأن ، وتقويتهم الحديث بالتجربة . على أنه لم يورد إلا حديث سقوط بغداد وكلام السيوطي عليه فقط ، ولم يورد كلام غير السيوطي ممن ذكرنا في رسالتنا هذه ، ثم إنه لا نزاع أنه لا تثبت نسبة حديث إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثبوتا قطعيا ، إلا المتواتر من الحديث على ما هو مبسوط في كتب المصطلح وأصول الفقه ، وإنما ثبوت غير المتواتر إليه صلّى اللّه عليه وسلّم يكون من قبيل الظن الراجح ، وأما الحديث الضعيف الذي ثبت أو قوي بالتجربة ( دعاء أو وقوعا أو إعجازا علميا ) فالأئمة وغيرهم من المتعاطين لهذا الفن لا يثبتون نسبة الحديث إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قطعا أو جزما ، وأنه قاله بلفظه ، ولكن يحصل عندهم ظن راجح أن الراوي الضعيف لهذا الحديث أدى المعنى ، فالذي يثبتون نسبته هو المعنى الذي صححته التجربة ، ودلّ عليه البرهان . هذا ، ولا يخفى أن الحقائق العلمية اليوم أقوى من الوقائع التاريخية التي وردت ضمن الأخبار ، وقوى السيوطي من أجلها حديث سقوط بغداد ، لأن التاريخ متسع ، وقد تحدث حادثة مقبلة ينطبق عليها الحديث أتم الانطباق . وكذلك الحقائق العلمية أقوى من مجربات الأدعية ، كحديث صلاة الحاجة ، والدعاء في الملتزم ، والأذان في الأذن ، وقراءة الآية على الدابة الصعبة ، على ما مر تفصيله ، لأن الدعاء قد يستجاب لأمر آخر ، كالإخلاص واضطرار الداعي ، وغير ذلك ، ولكن لكثرة وقوع ذلك اعتمد الأئمة تصحيح تلك الأحاديث .
--> ( 1 ) هكذا ، والصواب لغة : إما أن يقول : بعض هؤلاء ، أو يقول : يرونها . . .