كريم نجيب الأغر

63

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

وبما أنه كان من المتعذر علينا مشاهدة حادثة خلق أبينا آدم عليه السّلام ، فالطريقة الوحيدة التي تتيح لنا أن نتحقق عمليا من النقاط التي أوردناها أعلاه هي إيجاد وسط اصطناعي مخبري يخضع للشروط التي أسلفنا ذكرها ، أو النظر إلى وسط طبيعي يمتاز بهذه الشروط لنرى مدى تشابه حصيلة اجتماع تلك المستلزمات بالشروط المرموز إليها في القرآن الكريم . وبما أنه من المتعذر علينا في عصرنا هذا صناعة خلايا معقدة في وسط مخبري يتصف بالشروط التي أتينا على ذكرها ، فقد اخترنا النظر عن كثب إلى وسط طبيعي يتصف إلى حد ما بالشروط التي ذكرناها آنفا ، من غير أن نحدد أو نجزم بالمكان الذي خلق فيه الإنسان الأول . يشير العالم دايفد أتامبورو « 1 » إلى منطقة تقع في الولايات المتحدة تسمى : منطقة ( يالوستون YELLOWSTONE ) في ولاية ( وايومينغ WYOMMING ) ، يقول : إن هناك الكثير من البكتيريا التي تتولد في هذه المنطقة البركانية ذات الصخور المائعة - أي الطين - ( انظر الصورة رقم : 16 ) ، ومن هنا نفهم لما ذا قال اللّه سبحانه وتعالى : إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ [ الصافات : 11 ] . ويتفجر من هذه الصخور الماء مصداقا لقول اللّه تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] ، وهذه المياه ذات حرارة عالية لأنها تنبع وسط أرض بركانية ، مما يطابق المعطيات القرآنية في قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ [ الرحمن : 14 ] ، ومن هذه الصخور تفوح رائحة البيض المعفن الناتجة من رائحة الهيدروجين الكبريتي ( الذي يتولد من تفاعل الكبريت المعدني مع المياه الجوفية ) والتي تعتمد عليه تلك الكائنات الحية في غذائها وتكاثرها ، وهذه الصخور ليّنة بحيث إن لها القابلية على أن تنصقل وتملّس « فأكثر أنواع الكبريتيد ليّنة » « 2 » ، وتلك الصفات تحدّث عنها القرآن في الآية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [ الحجر : 26 ] ، أي من طين منتن كما فسره ابن عباس رضي اللّه عنهما ومجاهد رحمه اللّه ، وهذا الطين له القابلية على أن ينصقل بسهولة كما جاء في لسان العرب : « المسنون : المصقول . . . المسنون : المملّس . . . وسنّ عليه الماء : صبه ، وقيل : أرسله إرسالا ليّنا ، والسن :

--> ( 1 ) كتاب الحياة على الأرض ، دايفد أتامبورو ، ص 20 . ( 2 ) 5991 , GROLIER MULTIMEDIA ENCYCLOPEDIA ، ( باب الكبريت المعدني SULFIDES MINERALS ) .