كريم نجيب الأغر
581
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
احتمال اللفظ للمعنى المرجوح احتمالا لغويا لا غبار عليه ، واحتواء العلم الكوني اليقيني للفظ احتواء كاملا . وفي هذه الحال يعتبر التفسير من باب التأويل المحمود ، ولا يعد إعجازا علميا ، لأن المجاز ليس بحقيقة مطردة ذات دلالة قطعية « 1 » ، وذلك أن اللفظ
--> ( 1 ) وقد التزمت بالغالب بهذه القاعدة ، في بحثي هذا ، لأن أغلب ما يتعلق بمسائل الإعجاز التي أدرجتها في هذا الكتاب لا تخرج عن الحقائق اللغوية للنصوص ، ولكن تحتاج إلى تعمّق في دلالاتها ومقاصدها . كذلك اعتمدتها خروجا عن الخلاف ، لأن أغلب الباحثين والعلماء في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة يعتمدونها ، وفي رأيي أن هذا أمر حميد ، وقاعدة جليلة ينبغي التمسك بها ، ولكن يجب أن لا ننسى تلك المجازات الصريحة المنضبطة ، ذات القرائن الواضحة القريبة ، وذات الدلالات المعتبرة ، التي ضبطها العلماء المحرّرون بمقاصد العربية ، وصنفوا فيها الكتب ، حتى أصبح بعضها لشهرته - مع كونه مجازا - مرادفا للحقيقة اللغوية ، ولا يقل عنها بحال ، إما استعمالا في القواميس ، وإما عرفا بين الناس في عصر الاحتجاج ، وخصوصا إذا وردت في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، حيث إن الحقائق العلمية ، إلى جانب العرف اللغوي للكلمة المعتبرة ، وشهرتها بين الناس ، تزيد دلالاتها وضوحا إلى درجة أنها قد تصبح قطعية ، وهذه هي التي نتكلم عنها ( لضرب الأمثال راجع الحاشية ( رقم 4 ، ص 143 ) في مبحث « اختلاط عروق النطفة » ) . والأخذ بهذه المجازات قد يصبح من المسلّم به إذا فهمنا أن المعنى الذي يريده المتكلم قد يوافق الحقيقة اللغوية ( مثل أن نقول : « فلان كثير الرماد » : أي كريم جدّا لشدّة ما يوقد النار لإطعام زائريه ) ، فهنا اتفقت إرادة المتكلم مع حقيقة ما وضعت له الكلمة ، ولكن إذا أراد المجاز لعين هذه الكلمة ، فهنا تختلف إرادته مع حقيقة ما وضعت له الكلمة ، وهذا الاختلاف جاء لقرينة تدلّ على المعنى الذي يريده المتكلم . والفيصل في هذا المناط هو إرادة المتكلّم . فالكلمة تصبح فيما أراده لها المتكلم ، وعلى هذا فلا ينبغي إهمال إرادة المتكلّم بحال ، لأنه هو أراد المعنى ، واختار له وعاءه اللفظي ، ورآه مناسبا لغرضه من كلامه ، مع كون هذا الوعاء ( الكلمة ) لم يوضع في الحقيقة لما أراده المتكلّم . وإذا تقرّر الكلام أعلاه ، فنحن نعلم أن الذي تكلّم بالقرآن هو اللّه تعالى ، وأن المجاز إذا ورد في القرآن الكريم ضمن الشروط المعتبرة والقرائن الواضحة ، فهو إرادة المتكلّم بالقرآن الكريم للمعنى الذي أراده ، ولا يضر بعد ذلك في أيّ وعاء ( كلمة ) وضعته . وللعلم فإن القرآن الكريم مليء بالمجاز المنضبط ، وقد أقام الفقهاء الأثبات عليه في كثير من الأحيان أحكاما شرعية ، ليقينهم أن المعنى المراد إيصاله لعامّة الناس قد أصبح جليّا ، ونسبة الخطأ في معرفة إرادة المتكلّم فيه ضئيلة جدّا ، والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدّا مثل : 1 - وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [ النساء : 2 ] ، فالمراد باليتامى : البالغون . 2 - وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً [ يوسف : 36 ] ، فإن المراد بالخمر : العنب . 3 - وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [ الإسراء : 72 ] ، فإن المراد بالأعمى : الرجل الذي يبصر نور الشمس ، ولكن أعمى عن نور الهداية .