كريم نجيب الأغر

57

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

ولا بد من ركيزة لهذه المعرفة ، وهذه الركيزة لا بد من أن تتلقّى من رب العالمين ؛ فهو الخالق ، وهو الأعلم بالمخلوقات التي خلقها ، فهو القائل : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] . هذه الركيزة هي آيات اللّه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم والتي ذكرناها سابقا . من هذه الآيات تتوضح لنا عدة أمور : أولا : أن من عناصر المادة التي خلق منها سيدنا آدم عليه السّلام : الماء ، كما في قول اللّه سبحانه وتعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ [ الأنبياء : 30 ] وكما في قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل شيء خلق من ماء » [ أخرجه أحمد ح 12 ] . ثانيا : أن العنصر الثاني الذي كوّنت منه هذه المادة هو : التراب كما في قول اللّه سبحانه وتعالى : فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ . . . [ الحج : 5 ] وفي قول الرسول - عليه الصلاة والسلام - : « إن اللّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض . . . » [ أخرجه الترمذي ح 64 ] . فإذا اجتمع التراب والماء أصبحا طينا ، وهذا ما أكده اللّه تعالى في قوله : وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ . . . [ السجدة : 7 ] وكان هذا الطين رخوا لزجا ، كما قال اللّه سبحانه وتعالى : إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ [ الصافات : 11 ] . قال الطبري : « وإنما وصفه باللزوب لأنه تراب مخلوط بماء » « 1 » . ومن صفات هذا الطين أنه أسود ، أو أن صفاته تتغير إلى أن يصبح الطين مائلا إلى السواد ، كما في قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [ الحجر : 26 ] ، جاء في تاج العروس : « حمأ : الحمأة بفتح فسكون : الطين الأسود المتغيّر » « 2 » ، وقال القرطبي : « ( الحمأ ) : الطين الأسود . . . و ( المسنون ) : المتغيّر » « 3 » .

--> ( 1 ) صفوة التفاسير لمحمد علي الصابوني - تفسير سورة الصافات - ( ج 3 / ص 29 ) . ( 2 ) تاج العروس - مادة حمأ - ( ج 1 / ص 140 ) . ( 3 ) تفسير القرطبي - ( ج 10 / ص 21 ) ، وجاء في تفسير الألوسي - ( ج 3 / ص 21 ) للآية : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها [ البقرة : 259 ] . « لَمْ يَتَسَنَّهْ أي لم يتغير في هذه المدة المتطاولة ، وقيل : أصله لم يتسنن ومنه - الحمأ المسنون - أي الطين المتغير ومتى اجتمع ثلاثة حروف متجانسة يقلب أحدها حرف علة كما قالوا في تظنّنت : تظنيت وفي تقضّضت : تقضيت » . وجاء في تفسير أبي السعود - ( ج 5 / ص 239 ) : « وَجَدَها أي الشمس تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [ الكهف : 86 ] أي ذات حمأة وهي الطين الأسود ، من حمئت البئر إذا كثرت حمأتها . . » .