كريم نجيب الأغر
568
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
بعض الزوائد في نهاية العمود الفقري على شكل ذيل . . . أو تلك الحالات النادرة مثل : وجود مبيض متّحد مع خصية ، أو ملاحظة وجود أكياس غريبة في المبيض ، أو الخصية تحتوي على بعض الأسنان أو الشعر وقد سجّلتها عدسات الكاميرات ، أو الأشعة التشخيصية ، وطبعت على شرائط الفيديو لمناقشتها ودراستها على أنها تشوهات غريبة يمكن أن يصاب بها الجنين . إلا أننا لم نلاحظ تسجيلا مكتوبا أو مصوّرا أو رواية منقولة شفهية منذ بدء الخليقة لطفل واحد مولود له قلبان مطلقا « 1 » . . . وذلك تصديقا لقوله تعالى :
--> ( 1 ) واللّه تعالى قادر على أن يجعل في الإنسان قلبين ، ولكن أراد اللّه عزّ وجلّ أن يكون هنالك سنّة كونيّة واحدة عامة وهي : أن يكون للإنسان قلب واحد ، ولو وجد قلبان في رجل لاختلف النظام الإنساني . وقد يتخلّق جنين بقلبين ، ولكنه ما يلبث أن يموت ، ولن يعمّر طويلا حتى نستطيع أن نطلق عليه تسمية « رجل » . وقد يقول البعض : إن القلب المراد في الآية هو العقل ، لأن العرب كانت ترمز إلى أن لفظ « القلب » يطلق على العضو الذي هو محطّ الأحاسيس والأفكار ، وبالتالي هو العقل . فقد جاء في تفسير ابن كثير - ( ج 3 / ص 466 ) : « وقد ذكر غير واحد أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش كان يقال له ذو القلبين ، وأنه كان يزعم أن له قلبين كلّ منهما بعقل وافر ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ردّا عليه » . وجاء أيضا في ابن كثير - ( ج 3 / ص 466 ) : [ عن ابن أبي ظبيان أن أباه حدّثه ] « قال : قلت لابن عباس أرأيت قول اللّه تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [ الأحزاب : 4 ] ما عني بذلك ؟ قال : قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما يصلي ، فخطر خطرة ، فقال المنافقون الذين يصلون معه : ألا ترون له قلبين ، قلبا معكم وقلبا معه ، فأنزل اللّه : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » . وسواء أكان المراد من لفظ « القلب » هو العقل أو القلب ، فالنتيجة واحدة : لن يعمر اللّه جنينا له قلبان أو عقلان في جسم واحد طويلا حتى يكون رجلا . وقد يقول البعض : أن ليس المراد من الآية هو أن تنفي أن يكون لرجل قلبان ، ولكن المراد هو أن تنفي أن يكون للرجل اعتقادان متغايران كما جاء في تفسير القرطبي - ( ج 14 / ص 117 ) : « فالمعنى لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب » ، وأنها ترمي إلى معنى مجازي ، نقول - وباللّه التوفيق - : إن سياق الآية لا يشير إلى ذلك ، فالنص القرآني : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ( 4 ) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ . . . [ الأحزاب : 4 - 5 ] يشير إلى أن اللّه تعالى ينكر أن يزيغ المؤمنون عن السنن الكونية التي وضعها ، وأن يعارضوا الطبيعة التي خلقها اللّه تعالى ، فاللّه عزّ وجلّ لا يرضى أن نعتبر أزواجنا أمهاتنا كما كانت تفعل العرب في الجاهلية ( وهو معنى الظهار الذي جاء في قوله تعالى : وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ [ الأحزاب : 4 ] ) ، لأنهن أصلا لسن كذلك . كذلك فهو لا يرضى أن ننسب الطفل للرجل الذي تبنّاه ، ولكن لوالده الأصلي . فاللّه تعالى هو الذي قد خلق الخلق ، وهو الذي سنّ الشرع ، وعلى الشرع أن يوافق الخلق ، وعلى الخلق أن ينتظم كما تمليه نظم الطبيعة . كذلك نفهم من سياق النص القرآني أنه يعالج أمورا حسّيّة كادعاء العرب أن الأطفال الذين يعتنون بهم أولادهم ، واعتبار أزواجهم أمهاتهم ، وبالتالي فأولى أن نختار التفسير الذي يشير إلى شيء حسّي يحصل للإنسان ( أن الإنسان له عقل أو قلب واحد ) بدلا من أن نختار أمرا معنويا ( أن يكون للإنسان اعتقاد واحد ) .