كريم نجيب الأغر
531
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
ونفي النسب هنا يترتب عليه أن يتهم زوجته بالزنا ، ويترتب عليه ما إذا أنكرت المرأة أن يتلاعنا « 1 » ، وأما إذا أقرّت ، فعليها الحد كما هو معروف في الشريعة الإسلامية « 2 » . إلا أن الوحي الذي يوجه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد أعطى حلّا علميّا مقنعا مقبولا مناسبا . فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ضرب مثلا قريبا لذهن السائل حتى يفهم المسألة ويستوعبها دون أن يدخل في مقدمات علمية معقدة . فقاس له الأمر على ما يراه الإنسان الذي نشأ في البرية والبادية من الإبل . فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم سأل الرجل هل عندك من الإبل « 3 » ؟ ، وأجاب الرجل بنعم . وهنا سأله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : ما ألوانها ؟ فأجاب الرجل بأن ألوانها حمر . فصرفه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المقصود : هل فيها من أورق ؟ أي هل فيها لون أسمر وما كان لونه كلون الرماد ؟ فأجاب الرجل بأن فيها إبلا لونها أسمر أو ما كان لونا رماديا . وهنا لم يعطه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الجواب بل أراد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكشف السائل عن الجواب بنفسه . فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم سأله أيضا : من أين أتاها هذا اللون ؟ ، فما كان من السائل إلا أن
--> ( 1 ) والتلاعن بين الزوجين يكون بأن يشهد الرجل أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 6 ) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 7 ) [ النور : 6 - 7 ] ، والمرأة بدورها تشهد أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ( 8 ) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 9 ) [ النور : 8 - 9 ] ، ويفرّق بينهما عندئذ . ( 2 ) والحد هو الرجم حتى الموت للمرأة المحصنة ( أي المتزوجة ) التي زنت ( أو للرجل المحصن إذا زنا ) . ( 3 ) لقد قايس الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم في أكثر من موضع بين الإنسان والثدييات ، فالإنسان تحكمه عامة نفس الأحكام البيولوجية التي تحكم الثدييات ، وقد جاء القياس في الحديث المشار إليه أعلاه إضافة إلى الآية خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 6 ) [ الزمر : 6 ] وفعل « يخلقكم » الذي جاء في الآية السالفة الذكر يعود للأنعام وللناس معا . جاء في تفسير الرازي - ( ج 26 / ص 424 ) : « ثم ذكر عقيب ذكرهما حالة مشتركة بين الإنسان وبين الأنعام وهي كونها مخلوقة في بطون أمهاتها ، وقوله : خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ [ الزمر : 6 ] المراد منه ما ذكره اللّه تعالى في قوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) [ المؤمنون : 12 - 14 ] » . وجاء في تفسير الألوسي - ( ج 23 / ص 240 ) : « يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ [ الزمر : 6 ] بيان لكيفية خلق من ذكر من الأناسي والأنعام إظهارا لما فيه من عجائب القدرة » .