كريم نجيب الأغر
527
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
النطفة المذكورة في الحديث : « إن النطفة إذا استقرت في الرّحم ، أحضرها اللّه تعالى كلّ نسب بينها وبين آدم . أما قرأت هذه الآية في كتاب اللّه تعالى : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ؟ قال : شكّلك » [ رواه الطبراني ح 63 ] هي نطفة الأمشاج وإلا لما كان بإمكانها أن تتخلق وأن تعطي مخلوقا ، ذكرا كان أو أنثى . وكلمة نسب في الحديث : « إن النطفة إذا استقرت في الرّحم ، أحضرها اللّه تعالى كل نسب بينها وبين آدم . أما قرأت هذه الآية في كتاب اللّه تعالى : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ؟ قال : شكّلك » تشير إلى معنى الانتساب لأن ظاهر الحديث يتكلم عن هذا الموضوع : فالصحابي توهم أن الولد يأتي شبهه إلى أمه أو أبيه المباشرين ، فأراد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصحح هذا المفهوم الخاطئ المنتشر في أذهان الناس فبيّن أن الولد قد لا يشبه أمه ولا أباه المباشرين ولكن قد يشبه أيّا من أجداده أو جداته أو من فوقهما إلى آدم عليه السّلام ، لأنه منسوب إلى سلالة آدم . للسبب المذكور آنفا يمكن أن نفسر معنى ( أحضرها كل نسب بينها وبين آدم ) على أنه ( أحضرها كل خلق يمكن أن تركب فيه وينتسب إلى - أو يعود إلى - أو يعود إلى - أي من الأجداد ما بين النطفة وبين سيدنا آدم عليه السّلام ) ، والدليل على ذلك أنه ورد في رواية : « فركب خلقه في صورة من تلك الصور ، أما قرأت هذه الآية في كتاب اللّه : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ؟ من نسلك ما بينك وبين آدم » [ ذكره السيوطي ح 63 ] . وإذا قارنا الحديثين : « إن النطفة إذا استقرت في الرحم ، أحضرها اللّه تعالى كلّ نسب بينها وبين آدم » ، و « . . . فإذا كان يوم السابع ، جمعه اللّه تعالى ، ثم أحضر له كل عرق بينه وبين آدم ، ثم قرأ : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [ الانفطار : 8 ] » [ رواه الطبراني ح 21 ] ، نستنتج أن هناك عملية إحضار للشيفرة العرقية ( أو الصبغية ) من عالم الغيب إلى عالم التركيب والتي تنتسب إلى أي خلق ممكن من أجداد النطفة الذين ينحدرون من سيدنا آدم عليه السّلام . كما أسلفنا القول : من المحتمل أن يشبه المخلوق الجديد أيّ جدّ من أجداده ( ذلك لأن الأجداد تحمل خصائص سيدنا آدم عليه السّلام لأنها منحدرة منه ) . نفهم أيضا من الحديث : « إن اللّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك ، والخبيث والطيب وبين ذلك » [ أخرجه الترمذي ح 64 ] أن كل أنواع الخصائص الوراثية موجودة في سيدنا آدم عليه السّلام . فسيدنا آدم عليه السّلام مخلوق من كل الأتربة ويحمل بداخله كل الخصائص التي من الممكن أن تنحدر في البشر الذين يلونه .