كريم نجيب الأغر
518
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
يجدر الإشارة إلى أن حرف « كل » في عبارة « طار ماؤه في كل عرق . . . » هو للإشارة إلى أن هناك العديد من الصبغيات في النطفة ؛ والعلماء أثبتوا أن هناك ثلاثا وعشرين صبغية في كل بويضة من بويضات المرأة وفي كل حيوان منوي لدى الرجل . ونفصّل من الناحية اللغوية : جاء في لسان العرب : « وعروق كل شيء أطناب تشعب منه » « 1 » . وجاء في لسان العرب : « الأعصاب : الأطناب » « 2 » . وجاء في لسان العرب : « طنب : الطّنب والطّنب معا : حبل الخباء والسرادق ونحوهما . . . الأطناب : الطوال من حبال الأخبية . . . ابن سيده : الطنب حبل طويل يشد به البيت والسرادق . . . » « 3 » . إذن كل من العرق والعصب يعني الطنب ، والطنب يعني بدوره الحبل ، وبالتالي فإن كلمتي « عرق » و « عصب » تشيران لغويا إلى شيء واحد ، وهو الحبل .
--> - حزنا ، وإن لم يقدر على كتمه كان ذلك بثا ، فالبثّ على هذا : أعظم الحزن وأصعبه . . . وعلى هذا القول يكون عطف الحزن على البثّ واضح المعنى » . وعودة إلى الحديث ، « فالعصب » من جنس « العرق » كما تشير إليه معاني الكلمتين السابقتين ، وبالتالي جاء عطف كلمة « عصب » على كلمة « عرق » لتأكيد المعاني التي تشير إليها كلمة « عرق » من خلال وظيفة الواو « للترادف » . فالمعاني المشتركة بين الكلمتين السابقتين هي الحبال الطويلة ، كذلك جاء عطف كلمة « عصب » على كلمة « عرق » لكي يمهّد الطريق لإضافة صفات أخرى على هذه الحبال من خلال وظيفة الواو الأخرى « عطف الخاص على العام » ، فالرجوع إلى المعنى الأول من خلال المعنى المشترك سبيل لكي نوضحه من خلال المعاني الأخرى التي يتصف بها المعطوف على المعطوف عليه . فكلمة « عصب » تبيّن معنى للصبغيات أخص من معنى كلمة « العرق » ، وهو « ربط الشيء بالشيء الآخر » و « الطي الشديد » كما سنراه فيما يلي من المبحث ، أي أن الصبغيات مربوطة بعضها ببعض ، وملتوية حول نفسها كأنها معصوبة ، ولو اقتصر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على كلمة « عرق » في وصف الصبغيات لانتفت الدقّة المتناهية في وصف الصبغيات . فجاءت كلمة « عصب » لتقيّد العروق بصفات إضافية . ومن هذا الكلام السابق يتبيّن لنا كيف أن المعاني اللغوية ، والقواعد النحوية ، والحقائق العلمية ، جاءت - بإذن اللّه تعالى - كوحدة متجانسة تتضافر فيما بينها لكي تؤكد معا مرّة أخرى « الإعجاز العلمي في القرآن والسنة » . ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « عرق » - ( ج 9 / ص 160 ) . ( 2 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « عصب » - ( ج 9 / ص 230 ) . ( 3 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « طنب » - ( ج 8 / ص 205 ) .