كريم نجيب الأغر

51

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

الذي دعا إليه جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو طعام يكفي لرجلين فقط ، كفى ألفا من الصحابة ، وبقي بقيّة منه . . إلخ . ولما كان الرسل قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يبعثون إلى أقوامهم خاصة ، ولأزمنة محدودة فقد أيدهم اللّه ببيّنات حسية كما رأينا ، وتستمر هذه البينات الحسية محتفظة بقوة إقناعها في الزمن المحدد لرسالة كل رسول ، حتى إذا تطاول الزمن وتقادم وتكدّر نبع الرسالة الصافي ، اختفت قوة الإقناع الحسية ، وبعث اللّه رسولا آخر بالشريعة التي يرضاها وبمعجزة جديدة وببينة مشاهدة . ولما ختم اللّه النبوة بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ضمن له حفظ دينه ، وذلك بأن أيّده بمعجزات معنوية تنكشف في المستقبل ، لكي يؤمن بها المتأخرون من الأمم ، فتبقى البينة الكبرى بين أيدي الناس قائمة إلى قيام الساعة « 1 » . قال اللّه تعالى : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) [ العنكبوت : 50 - 51 ] ، فهذه الآيات تعلمنا أن اللّه تعالى أجاب طلب قوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لآيات يؤمنون من خلالها بأن القرآن الكريم هو خير دليل على صدقه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بما فيه من معجزات معنوية . وقوة هذه البينة هي أنها تدحض ادعاءات من افترى ، وادعى كذبا أن سيدنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم استفاد من العلوم المتوافرة في عصره لتأليف القرآن . فبإظهار الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم معلومات لم تكن معروفة في عصره ، وهي من اختصاص علم اللّه تعالى ، تنقطع الحجة بأن الرسول - عليه أفضل الصلاة والتسليم - قد استفاد وتعلم من الأمم التي عاصرها ، وبهذا لا يستطيع أحد أن ينفي أن معلوماته مستقاة من خالق الإنسان ، وهذه الآيات التي فيها الإخبار بما لم يكن معروفا في زمنه هي من علم اللّه ، وستبقى منار هدى ، وسبيل معرفة بأن القرآن هو كلام اللّه لكل إنسان في كل زمان ومكان .

--> ( 1 ) قد يعترض بعض الناس أن هناك أشخاصا تنبّئوا ببعض الأمور في الكون وحدثت ، نعم قد يحدّث بعض الناس بأمور ستحدث في المستقبل وتقع ، ولكنهم أيضا يحدّثون بأمور كثيرة ولا تقع ، بل يحدّثون بخلاف الواقع ، وهذا يطعن في الشخص : في نبوءته وفي أقواله . أما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأقواله وأحاديثه صحيحة السند عن الأمور الكونية دائما مصيبة كما سنرى في « قسم تخريج الأحاديث وصلتها بالإعجاز العلمي » ، وتتحدث عن الواقع الكوني كما هو ، دون تحليل ذهني وعن تجربة ، بل هو إعلام من اللّه تعالى فقط ، فقد قال اللّه تعالى : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [ النساء : 113 ] .