كريم نجيب الأغر

448

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

الفرث ومن بعض الدم يستخلص منهم . . . ، وبالتالي فإن وظيفة « من » في هذه الحالة هي : للتبعيض للإشارة إلى بعض أجزاء الفرث وبعض أجزاء الدم ، ووظيفة « بين » هي الوسطية المعنوية للإشارة إلى أن اللبن يتألف وسطيا من كلا الفرث واللبن . والحقيقة العلمية تشير إلى ذلك أيضا حيث إن دهن اللبن على سبيل المثال يأتي في معظمه من الفرث في بادئ الأمر ، وبالتالي فإن بعض اللبن هو جزء من الفرث ، وبعض الأحماض الأمينية للبن تأتي من الدم ، وبالتالي فإن بعض اللبن هو جزء من الدم « 1 » . ومن الجدير بالذكر أن المذهب الأول أقوى من المذهب الثاني ، وذلك أنه لا يعيد لفظ « من بين » إلى كلام محذوف - يتألف - ، ولكن إلى لفظ موجود في الآية - خالصا - . واللفظ الذي تعود جذوره للحقيقة أولى أن نعتبره من اللفظ الذي تعود جذوره لكلام مقدّر . أضف إلى ذلك أن المكوّنات البسيطة أو البدائية التي يتكوّن منها مختلف أعضاء اللبن تأتي بادئ ذي بدء من الفرث قبل أن تنتقل إلى الدم ( أو إلى أي عضو آخر ) فالثدي . ولمزيد من الإيضاح ، سوف نلقي الضوء على المصادر التي يستقي منها اللبن مكوّناته ، سواء أكان اللبن إنسانيا أم حيوانيا ( فالآية تناولت في المقام الأول الأنعام ، وسوف نرى في مبحث : « معجزة الرؤية الإسلامية في علم الوراثة » أن القياس في هذا المجال وارد لأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قايس بين الثدييات وبين الإنسان في أكثر من حالة ) ، فاللبن في معظمه يتكون من : 1 - الماء : تستخلص الغدد الثديية ماء اللبن كله من الدم « 2 » .

--> ( 1 ) ومن الجدير بالذكر أن لفظ « بين » الذي جاء في النص القرآني : خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) [ الطارق : 6 - 7 ] ، يشير إلى البينية الحقيقية بخلاف لفظ « بين » الذي يشير إلى البينية المعنوية والذي جاء في الآية : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ [ النحل : 66 ] . فلفظ « بين » في الآية 7 من سورة الطارق يشير إلى أن الماء يخرج من مكان ما يقع حقيقة بين الصلب والترائب - من جسم ( ولف WOLFF ) - ، بينما يشير لفظ « بين » في الآية 66 من سورة النحل إلى أن اللبن : إما أنه يخرج من خلال عملية وسطية معنوية من الفرث والدم ، وإما أنه يتألف مناصفة من الفرث والدم . أما لفظ « من » فهو لابتداء الغاية في الأماكن في حالتين : 1 - في الآية الأولى ، حيث يشير إلى أن مكوّنات الماء تخرج من مكان يقع بين الصلب والترائب - جسم ولف - إلى المستودع - الخصية أو المبيض - . 2 - وفي الحالة الأولى من الآية الثانية ، حيث يشير إلى أنه يخرج من الفرث إلى الدم ، ومن ثمّ من الدم إلى مكان آخر أما في الحالة الثانية من الآية الثانية فهو للبعضية ، أي أن اللبن يتألف من بعض الفرث وبعض الدم . ( 2 ) JELLIFFEE , D . B . and JELLIFFE , E . F . P ( 8791 ) , HUMAN MILK IN THE MODERN WORLD . PSYCHOSOCIAL , NUTRITIONAL AND ECONOMIC SIGNIFICANCE . OXFORD UNIVER - SITY PRESS .