كريم نجيب الأغر

445

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

جاء في مقاييس اللغة « 1 » : « خلص ، الخاء واللام والصاد أصل واحد مطّرد ، وهو تنقية الشّيء وتهذيبه » . وجاء في لسان العرب « 2 » : « استخلص الشيء : كأخلصه . . . قال الأزهري : سمعت العرب تقول لما يخلص به السمن في البرمة من اللبن والماء والثّفل : الخلاص ، وذلك إذا ارتجن واختلط اللبن بالزّبد فيؤخذ تمر أو دقيق أو سويق فيطرح فيه ليخلص السمن من بقيّة اللبن المختلط به ، وذلك الذي يخلص هو الخلاص ، بكسر الخاء ، وأما الخلاصة والخلاصة فهو ما بقي في أسفل البرمة من الخلاص وغيره من ثفل أو لبن وغيره . ( قال ) أبو الدقيش : الزّبد خلاص اللّبن أي منه يستخلص أي يستخرج » . ومن التفسير السابق نفهم أن اللبن يستخلص من بين فرث ودم . والفرث هو بقايا الطعام في الجهاز الهضمي ، جاء في المعجم الوسيط : « الفراثة : بقايا الطعام في الكرش . الفرث : الفراثة » « 3 » . وقياسا على ذلك نستطيع أن نشمل البكتيريا الموجودة في الأمعاء تحت اسم الفرث لأنها موجودة في الأمعاء ، كما أن وجودها يعتمد على بقايا الطعام . فإذا تحلّل الطعام جزئيا أو كليّا في الكرش لم يعد طعاما ، وأصبح بقية طعام ، وبالتالي فإن الآية تشير إلى أن التحلّل شيء أساسي لكي يستخرج اللبن من الطعام ، وهذه ملاحظة ملفتة للنظر . وهكذا فإن الآية تعني : نسقيكم مما في بطونه لبنا يستخلص من بين طعام متحلّل في الجهاز الهضمي ودم . ولم يصب معظم مفسّري القرآن الكريم - رضوان اللّه تعالى عليهم - حقيقة ما ترمي إليه الآية المذكورة أعلاه ، فقد جانبوا الصواب في أمرين عند تفسيرهم الآية ، ( وذلك لعدم درايتهم بالعلم الكوني المحيط بظاهرة تكوين اللبن ) : ففي الأمر الأول اعتبروا أن اللبن يتولّد في مكان محدد في الجهاز الهضمي ، وبالتالي إن هناك لفظا محذوفا في الآية تقديره : نسقيكم لبنا يتولّد في مكان ما محدد ، وفي الأمر الثاني

--> ( 1 ) مقاييس اللغة ، باب الخاء واللام وما يثلثهما ، ( ج 2 / ص 208 ) . ( 2 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « خلص » - ( ج 4 / ص 174 ) . ( 3 ) المعجم الوسيط - مادة « فرث » - ( ج 2 / ص 678 ) .