كريم نجيب الأغر

433

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

وقد أدّي هذا الحدث إلى ابتداع بنوك اللبن الإنساني في بعض أنحاء المدن الكبرى وكان أولها في بوسطن عام 1910 م . أما الاعتماد على لبن الحيوانات فقد اتخذ منحى آخر بعد أن فحص ميكروسكوبيا وبعد أن اكتشف أنه يختلف عن لبن الثدي في تكوينه الكيميائي . وقد حمل هذا الاكتشاف مصانع اللبن إلى إجراء تعديلات على لبن الأبقار لتقريبه من اللبن الإنساني وترويجه في الأسواق . وفي خطوة لاحقة تمّ تجفيف لبن الأبقار وطرحه في الأسواق ، وقد واجهت هذه الخطوة مشكلات متعددة فأدخلت تعديلات إضافية على اللبن المجفف . وقبل عهد الوحي كان نظام المرضعات رائجا أيضا حتى إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم رضع من حليمة السعدية رضي اللّه عنها ، وغيرها . وكان من شأن الشارع أن يثبت الأخلاق والعادات الحميدة التي لها أثر إيجابي على المجتمع ، وأن يحرم الأخلاق والعادات التي تلحق الضرر على المجتمع . ومن العادات التي أقرّ بها الشرع وحثّ عليها هي الرضاعة الطبيعية سواء كانت من المرأة التي وضعت المولود ، أو من امرأة أخرى تستطيع إرضاع المولود الجديد مع إعطاء الأولوية للأم في الرضاعة « 1 » . وقد أوصى اللّه عزّ وجلّ الأمهات بإرضاع أطفالهن مدة سنتين ابتداء من ولادته لمن أراد إتمام الرضاعة في الآية الكريمة : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [ البقرة : 233 ] . وفي حال وجود عسرات على إرضاع الأم لطفلها فقد حثّ الشارع على إرضاع الطفل من ثدي امرأة أخرى في قوله تعالى : وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى [ الطلاق : 6 ] . فالإسلام يضع الأولوية في الإرضاع للأم ، فإذا حدث ما يعيق إرضاعها اختارت امرأة مناسبة لإرضاع ولدها ، وهذا بخلاف ما اعتاده العرب ، فإنهم كانوا يرسلون المولود إلى البادية إلى مرضعة ترضعه وتهتم به ، ويفضلون لبنها على لبن أم المولود ، لأن ذلك يكوّن عند المولود النجابة والفصاحة . فقد جاء في السيرة النبوية « 2 » : « ثم التمس عبد المطلب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المراضع على عادة أهل مكة ،

--> ( 1 ) وقد جعل الإسلام نظاما خاصا في موضوع الرضاعة ، ورتب أحكاما عليها ، وسنتكلم عنها في الأبحاث عن الرضاعة التي ستلي - إن شاء اللّه - . ( 2 ) كتاب مختصر الجامع في السيرة النبوية ، سميرة الزائد ، ( ج 1 / ص 109 ) .