كريم نجيب الأغر

43

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

مجتمعهم البدوي بحاجة إليها ) ، وضعفت العلوم الأخرى عندهم مثل الطب « 1 » ، الذي كان مرتبطا بالسحر ، واقتصر على الوسائل البدائية مثل الكيّ والبتر والفصد ( الشق ) والتداوي بالأعشاب والحجامة ، وانتشرت بعض العلوم التي ليس لها ركائز منطقية مثل دراسة الأجرام السماوية : التنجيم والكهانة ، لمعرفة الأمور الغيبية من حاضر ومستقبل . أما علم الأرحام عند العرب - وهو الذي يعنينا في بحثنا هذا - فلم يكن أحسن حالا من سائر العلوم الأخرى ، وكان قائما عندئذ على ما تعلّمه العرب من اليهود ، كما يعلمنا الحديث الشريف : « عن ابن عباس ، قال : إن ابن عمر - واللّه يغفر له - أوهم ، إنما كان هذا الحي من الأنصار - وهم أهل وثن - مع هذا الحي من يهود - وهم أهل كتاب - وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم فكانوا يقتدون كثيرا من فعلهم . . » [ أخرجه أبو داود ح 117 ] . فعلى سبيل المثال : اقتدى العرب باليهود في اعتزال المرأة إذا حاضت اعتزالا تاما ، لا يؤاكلونها ، ولا يجالسونها على فراش ، ولا حتى يساكنونها ، لأنهم كانوا يعتقدون أن السموم تغلب على بدن المرأة في فترة الحيض « 2 » . كذلك كانوا يعتقدون أن الجنين يأتي أحول إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها - أي : إذا جامع الرجل المرأة من الخلف ولكن في قبلها - ، على ما كان يعتقده اليهود ، مثلما جاء في الحديث : « حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن ابن المنكدر ، قال : سمعت جابرا رضي اللّه عنه قال : كانت اليهود تقول : إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول ، فنزلت : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [ البقرة : 223 ] » [ أخرجه البخاري ح 15 ] ، وقد اعتقد الأطباء العرب أيضا أن الجنين يعقد من دم الحيض « 3 » . وهكذا نفهم أن الظلام العلمي كان منتشرا في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام ، ولا سيما عند العرب .

--> ( 1 ) على أنه كان فيهم أطباء معروفون وإن كانوا قلة ، مثل الحارث بن كلدة . ( 2 ) انظر مبحث « ازدياد الأرحام وغيضها » . ( 3 ) انظر مبحث « اضطراب عروق النطفة » .