كريم نجيب الأغر

427

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

والدليل الفاصل الذي يثبت ما ذهبنا إليه ، أن النص المجمل يبقى على إجماله حتى يأتي نص آخر مبيّن ، فيحمل عليه وهذا حسب القواعد الأصولية . وكلمة « مثل ذلك » في الحديث لفظ مجمل يحتمل أن يرجع إلى جمع الخلق ، أو بطن الأم ، أو أربعين يوما . فما الشيء الذي يبين ذلك ؟ والقضية واضحة مثل الشمس ، فإن حديث حذيفة : « إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث اللّه إليها ملكا فصورها ، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال : يا ربّ : أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك . . . » [ أخرجه مسلم ح 45 ] قد قطع كل احتمال وجعله احتمالا واحدا لا يتعدد من خلال بيان هذا المجمل ، حيث منع إعادة « مثل ذلك » إلى أربعين يوما لأن النطفة والعلقة والمضغة لا تتعدى اثنين وأربعين يوما كما هو النص عن حذيفة . ويمتنع أيضا إعادتها إلى بطن الأم ، لأن تكراره في الحديث لا يفيد معنى جديدا ، والتكرار إذا لم يفد معنى جديدا يكون حشوا في الكلام كما عند علماء البلاغة ، وحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعيد عن ذلك ، بل هو أفصح من نطق بالضاد ، ويغدو التركيب غريبا عن العربية . وإذا كان اسم الإشارة في الحديث لا يصح إعادته إلى الأربعين يوما ولا إلى بطن الأم فيتعيّن - بناء على ذلك - أن يعود اسم الإشارة « مثل ذلك » على جمع الخلق ، لا على الأربعينات ، وهو ما توصل إليه العالم ابن الزملكاني « 1 » في القرن السابع الهجري . وتقوى حجّتنا من خلال النص القرآني الواضح الذي يدلّل على أن خلق العظام يكون بعد طور المضغة ، يقول اللّه تعالى : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً . . . [ المؤمنون : 14 ] وخلق العظام ثابت في الحديث الشريف بعد اثنين وأربعين يوما لما في صحيح مسلم : « إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة ، بعث اللّه إليها ملكا فصورها ، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال : يا ربّ : أذكر أم أنثى ؟ . . . » [ أخرجه مسلم ح 45 ] فيتبين لنا أن المضغة نشأتها في مدة الأربعين يوما كما هو مدلول النص القرآني ، والحديث النبوي الشريف . فاتجاهات النصوص الشرعية التي جعلناها دليلا لمسألتنا تفسر نص البخاري

--> ( 1 ) البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن ، لابن الزملكاني ، ص 275 .