كريم نجيب الأغر
418
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
القرآني الآخر قال : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) [ المؤمنون : 12 - 14 ] فأورد بين الأطوار حرف العطف « الفاء » ؟ . قبل أن نلقي الضوء على هذا الأمر نودّ الإشارة إلى أنه ليس هناك فرق كبير بين النصين ، فالأطوار المذكورة في الآية رقم 5 من سورة الحج هي ثلاثة أطوار فقط ، وهذه جاء ذكرها في سورة المؤمنون . والمتأمّل في كلا النصّين يرى الاختلاف في طور المضغة فقط ، وذلك أن طور النطفة وطور العلقة عطفا على ما قبلهما في كلا النصّين بحرف « ثم » . ولكن ما يميّز آية سورة الحج هو أن طور المضغة عطف فيها بحرف العطف « ثم » على خلاف ما جيء به في سورة المؤمنون ، حيث عطف بحرف « الفاء » . وليس هناك أي تعارض بين الأمرين لا في الأسلوب السياقي ولا في المعنى المتضمن لكلا الحرفين « ثم » و « الفاء » . فالناظر المدقّق لسياق الكلام القرآني في الآية التي تركز على استخدام حرف العطف « ثم » في الأطوار - ولا سيّما طور المضغة - يفهم أنها تظهر موضوعا معينا ، وهو موضوع النظر والتأمل في حالة وجود شك ليوم البعث والآخرة ، لأن هذا النظر سيؤديه إلى الإيمان بذلك بشرط الموضوعية في البحث . والمتأمّل لا يمكن له أن يتسرع في نظره ، لأنه قد يخطئ في النتائج إن هو أسرع . ومن منهجية التأمل : التأني في النظر والتمهّل في الاستنتاج . فالمطلوب في الآية هو النظر المتأني الذي يوصل إلى الإيمان بالبعث ، فناسب ذكر « ثم » التي تفيد التراخي حتى يأخذ الباحث مهلة في الفكر والنظر إلى أن يصل للنتيجة . وهكذا نحن مدعوون لأن ننظر إلى شكل الجنين في حالة المضغة ، وإلى ما يحدث له من عمليات دقيقة من تخليق وعدم إتمام التخليق ، ونطابق المعطيات القرآنية مع المعطيات العلمية كما جاء في الآية : لِنُبَيِّنَ لَكُمْ . ونستنتج أن القرآن حق من عند اللّه تعالى وهذا يستوجب وقتا ، لذلك استعمل حرف العطف « ثم » ، والله تعالى أعلم .