كريم نجيب الأغر

387

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

نستنتج من خلال الآيتين أن أقل مدة الحمل هو ستة أشهر ، وذلك أن الآية الأولى تنصّ على أن الحمل والفصال ( أي الفطام ) يستغرقان ثلاثين شهرا ، والآية الثانية تنص على أن الفصال في عامين ، أي أربع وعشرون شهرا ، فإذا اختزلنا فترة الفصال من فترة الحمل والفصال ، تكون فترة الحمل ستّة أشهر وهي أقلّها ، لأن الحمل عادة يستغرق تسعة أشهر . وهذا ما استنبطه علي وابن عباس رضي اللّه عنهما وروي : « أن عثمان قد أتي بامرأة قد ولدت لستّة أشهر فأراد أن يقضي عليها بالحدّ ، فقال له علي رضي اللّه عنه : ليس ذلك عليها ، قال اللّه تعالى : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ، وقال تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [ البقرة : 233 ] ، فالرضاع أربعة وعشرون شهرا والحمل ستة أشهر ، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدّها » « 1 » . والعلم الحديث يثبت هذا الاستنباط الدقيق عن علي وابن عباس - رضوان اللّه عليهما - فالأطفال الذين يولدون بعد ستة أشهر وقبل استكمال تسعة أشهر ، يوضعون في ( الحاضنات الاصطناعية COUVEUSE ) تحت العناية المشدّدة حتى يتمكنوا من العيش ، إذ قبل مدة ستة أشهر لا يمكنهم الحياة . ويفسر لنا الدكتور شارل رو « 2 » هذه الحقيقة قائلا : « إنّ الجنين في بطن أمه يعيش في محيط مائي ويستخرج الأوكسيجين من هذا المحيط « 3 » ، ولكي يستطيع الحياة خارج بطن أمه يلزم عليه أن يتنفس الهواء بدلا من استخراجه من محيطه المائي ، وذلك يعتمد على نضج رئتيه ، ونضج المراكز العصبية الموجودة في النخاع الشوكي التي تتحكم بها . أما نضج الرئتين فلا يتم إلا بعد مضي ثمانية أشهر ولكنها تستطيع أن تبدأ التنفس قبل ذلك بكثير ، ذلك أن نضجها يعتمد على عنصرين أساسيين ، وهما : أ - ( النخاريب ALVEOLA ) ( وهي أكياس صغيرة موجودة في الرئتين يتم عبرها التبادل الغازي ) ب - ( الأوعية الشعرية VASCULAR CAPILLARIES ) ( وهي تحمل الدم الذي ينقل الغازات ) .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي للآية 15 من سورة الأحقاف - ( ج 16 / ص 193 ) . ( 2 ) المؤتمر الطبي الإسلامي الدولي ، الإعجاز الطبي في القرآن ، 25 / 9 / 85 م . ( 3 ) إن الجنين يستخرج الأوكسيجين على وجه التحديد من الأم من خلال الحبل السري ، ولكن المهم هو أن المحيط سائلي .