كريم نجيب الأغر
380
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
وهذا التحديد لعدة المرأة ( 4 أشهر و 10 أيام ) قد أطلقه القرآن الكريم احتياطا ، تمديدا لمدة براءة الرحم وللتيقن من الحمل على وجه التأكيد ، وبذلك فهو يعتبر أقل عدد لأغلب الحالات التي تحس بها المرأة بجنينها . وهذه الحقيقة أشير إليها في البحر المحيط « 1 » : « . . . وزاد اللّه العشر لأنها مظنة لظهور حركة الجنين ، أو مراعاة لنقص الشهور وكمالها ، أو استظهارا لسرعة ظهور الحركة أو بطئها في الجنين » . وجاء في تفسير الألوسي « 2 » : « وزيد عليه العشرة استظهارا إذ ربما تضعف حركته في المبادئ فلا يحس بها » . وأقل عدد نستطيع أن نعتمده للإشارة إلى أغلب الحالات التي تشعر المرأة بجنينها هو 75 % ، فهذا العدد يمثل ثلاثة أرباع الحالات التي يمكن أن تحدث ، وهو ليس بقريب من العدد المتوسط لإحساس المرأة بجنينها - 50 % - بحيث لا نعتبره العدد الغالب . فإذا اعتبرنا أن الأيام العشرة هي انحراف عن المتوسط وهو 119 يوما ، أصبح احتمال إحساس المرأة بجنينها 75 % ! ! ! حسب النظام الذي ذكرناه آنفا ( أي حسب النظام التوزيعي ذي متوسط مقداره 119 يوما ، وانحراف قياسي مقداره 15 يوما ) « 3 »
--> ( 1 ) البحر المحيط - ( ج 2 / ص 225 ) . ( 2 ) تفسير الألوسي - ( ج 2 / ص 149 ) . ( 3 ) إن من تتبّع كلمات القرآن الكريم أيقن أن صياغتها كانت بقدر ، وأن كلّ حرف جاء فيها كان بحسبان ، فلا زيادة ولا نقصان ، ولا اختلاف ولا اعوجاج ، ممّا يدل على أن القرآن الكريم منزل من عند العليم الحكيم ، فلو كان فيه مقدار أنملة من الخطأ لتبدّد الإعجاز ، ولانتزعت الصبغة الإلهية من هذا الكتاب العزيز مصداقا لقوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] . ومن الأمثلة التي تدلّ على أن القرآن الكريم محبوك بميزان : أن بعض المدد الزمنية ( أو الأرقام العددية ) في القرآن الكريم جاءت بصيغة معيّنة تشير إلى قارئها أن الذي ذكر الوقت الزمني ( أو الرقم العددي ) للمدّة المعتبرة مدرك تمام الإدراك ليس فقط أن هذه الصيغة تفصح عن الرقم العددي الدقيق للمدّة المعتبرة ، ولكن تبرز أيضا تفاصيل أخرى بغاية الأهمية لهذه المدّة ، فتعلمنا أنها تحمل في طيّاتها عدّة معان محيطة بجوانب الموضوع المراد تفصيله ، مما يجعل احتمال أن تكون هذه الصيغة أتت صدفة ضعيف جدّا ، لأن إدخال التفاصيل على شيء محدّد يتناسب عكسيا مع احتمال مجيئها صدفة ، فيتيقن القارئ عندئذ أن الذي وضعها لا بد أن يكون الذي يعلم بجوانبها الغيبية . ومن الأمثلة لهذه الصيغة : الآية التي نحن بصدد تفسيرها ، وهي : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ البقرة : 234 ] . هذه الآية ذكرت عددين متلاصقين ( أربعة ، عشر ) ينطويان تحت عدد مجمل ( مقداره أربعة أشهر وعشر ) ، ليس عبثا ، ولكن لغرض إبراز تفاصيل دقيقة يتعذر التكلم عنها بطريقة موجزة فصيحة إلا بهذه الصيغة . -