كريم نجيب الأغر
358
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
صورته النهائية . فالتسوية هي إعطاء الجنين صورة إنسانية « 1 » . وأما التعديل فهو إعطاء الجنين صورته الشخصية . لذلك نجد أن الآية الكريمة ذكرت بعد التعديل تركيب الإنسان في صورته النهائية الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ( 7 ) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ( 8 ) [ الانفطار : 7 - 8 ] . فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [ الانفطار : 8 ] جاءت لبيان التعديل المذكور في القرآن . وفي اللغة العربية إذا جاءت جملة بعد جملة أخرى ولم يفصل بينهما بحرف عطف ، فالأخيرة قد تعني البيان على سبيل التفسير أو الوصف أو التأكيد أو غير ذلك « 2 » . وهذا مندرج في علوم البلاغة ؛ ضمن علم المعاني ، في مبحث « الوصل والفصل » ، وسقوط « الواو » هو الفصل ، ومحله في هذه الآية أن جملة فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [ الانفطار : 8 ] فصلت عن جملة فَعَدَلَكَ ، وسقطت الواو ، لأن الثانية فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [ الانفطار : 8 ] واقعة من الأولى موقع البدل أو عطف البيان ، إذ هي بيان للأولى فَعَدَلَكَ ، فبينهما كمال اتصال ، لأن الثانية بينت الأولى ، وأفادت في إيضاحها ، ومن هنا سقطت الواو « 3 » . وبما أن كلمة « صورة » تعني : هيئة أو شكل « 4 » ، وفعل « صوّر » : كوّن له صورة وشكلا « 5 » ، وقد ورد هذا المعنى كبيان لفعل « عدلك » ، فذلك يعني أن فعل عدّل يعني : أعطاه الشكل والهيئة . وهكذا فإن تعديل الجنين يكون بإجراء تعديلات أو تغييرات طفيفة عليه تعطيه اللمسة الأخيرة ؛ لتقويم أعضائه التي كانت قد تخلقت من قبل .
--> ( 1 ) راجع لهذا الغرض مبحث « التسوية » . ( 2 ) انظر تفسير التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور - ( ج 30 / ص 177 ) . ( 3 ) انظر « بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة » ، لعبد المتعال الصعيدي ، ( ج 2 / ص 71 - 77 ) . ( 4 ) جاء في لسان العرب لابن منظور - مادة « صور » - ( ج 7 / ص 438 ) : « قال ابن الأثير . . . يقال صورة الفعل كذا وكذا أي هيئته » . ( 5 ) جاء في المعجم الوسيط - مادة « صور » - ( ج 1 / ص 528 ) : « صوّره جعل له صورة مجسّمة . . . وتصوّر : تكونت له صورة وشكل » .