كريم نجيب الأغر
356
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
ومن المهم أن ننوّه إلى أن اختيار فعل « جعل » له دلالته : فلو صغنا الآية بفعل « صار » أو فعل « خلق » لما استطعنا أن نجمع بين المعاني المختلفة ، وأن نوصل إلى القارئ المعنى المزدوج ، وهذا من الإعجاز البياني للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال : « بعثت بجوامع الكلم » [ أخرجه البخاري ح 13 ] . وتشمل مرحلة النشأة مرحلة تخلق الجلد ، وذلك لأن القرآن الكريم سكت عن ذكر تخلق الجلد بعد ذكر كسو العظام باللحم في الآية : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] ، مع أن الحديث الشريف : « إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث اللّه إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال : يا رب : أذكر أم أنثى ؟ » [ أخرجه مسلم ح 45 ] ذكر تخلق الجلد ، وهذا دليل على أن تخلق الجلد يتأخر عن تخلق اللحم ، ذلك لأنه لو كان تخلق الجلد يقع زمنيّا بين المراحل السابقة التي ذكرت في الآية السالفة الذكر لذكر ، واللّه أعلم . وورود كلمة « ثم » في سؤال الملك عن الإذكار أو الإيناث بعد ذكر تخلّق الجلد وسائر الأعضاء هي للإشارة إلى أنّ تميز الشكل الخارجي للأعضاء الجنسية للجنين يأتي بعد ابتداء تخلّق الجلد ، وبالفعل يبدأ تميز الجلد في الأسبوع السابع وإن لم يظهر جليّا ، ومن ثمّ يبدأ تميز الشكل الخارجي للأعضاء الجنسية في نهاية الأسبوع التاسع ، أي في مرحلة متقدمة لتخلّق الجلد . وبينما يتم إجراء العمليات اللازمة لإذكار أو إيناث الجنين يتم تخلق الهيكل الرئيسي للجلد ، فيسبق تميز الجلد التميز الجنسي كما جاء في الحديث الشريف : « إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث اللّه إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال : يا ربّ : أذكر أم أنثى ؟ » [ أخرجه مسلم ح 45 ] . وهكذا فإن ترتيب تخلق الأعضاء في مرحلة التسوية ومرحلة النشأة يصبح وفق ما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة : تخلق العظام - تخلق اللحم - تخلق الجلد - التميز الجنسي ، وعليه فإن ترتيب عمليات مرحلة التسوية ومرحلة التعديل تظهر كما في الجدول التالي :