كريم نجيب الأغر
338
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
فإذا اعتبرنا وظيفة حرف « الفاء » في قوله تعالى : فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً . . . « التفصيل بعد الإجمال » فهمنا أن مرحلة الكساء باللحم هي تفصيل لمرحلة خلق العظام التي سبقتها . و « التفصيل بعد الإجمال » يقتضي أن هناك خلقا مجملا حصل ، أي أن خلقا عاما لمختلف أعضاء الجنين حصل بما فيها العظام واللحم ، غير أنه غلب على صورة المرحلة المجملة صورة العظام فأطلق عليها هذه التسمية ، ومن ثمّ تلاها خلق آخر لا ينفي استمرار الخلق الأول بكل أعضائه كما أشرنا إليه في الحاشية رقم ( 2 ، ص 325 - 329 ) من مبحث « التسوية / خلق العظام » ولكن يبرز خلقا أدق في نطاقه ، ومخصّصا في فعله ، مفصّلا للطور الذي سبقه ، تأخّر في ظهوره وغلبة سمته عن الخلق الذي غلب في المرحلة المجملة ، وفق وظيفة « الترتيب والتعقيب » التي يتّسم بها حرف « الفاء » أيضا في هذا الموضع ، وهذا الخلق هو ظهور اللحم وكسوته العظام . فإذا اتضح لنا هذا ، فهمنا أن ذرات العظام واللحم تخلّقت في وقت واحد في مرحلة المضغة ، ولكن سبق ظهور العظم ظهور اللحم ، وبالتالي فإن اللحم والعظم كانا يؤلفان المضغة . وهذا ما فهمه مفسّرا القرآن الكريم العلامة أبو السعود والعلامة الألوسي ، حيث إنهما أشارا إلى أن اللحم نشأ من قسم معين من الفلقات التي تضفي مظهر المضغة على الجنين ، بينما نشأت العظام من القسم الآخر ، عندما قالا : « لَحْماً من بقية المضغة أو ممّا أنبتنا عليها بقدرتنا » « 1 » ، و « ذلك اللحم يحتمل أن يكون من لحم المضغة بأن لم تجعل كلها عظاما بل بعضها ، ويبقى البعض فيمد على العظام حتى يسترها » « 2 » . ( انظر الصورة رقم : 102 السالفة ) . وتنفصل خلايا القسم الهيكلي العضلي بعضها عن بعض ، وتهاجر إلى أمكنتها النهائية ، وتنقسم إلى جزءين : ( ظهري EPIMERE ) ، و ( بطني HYPOMERE ) ، وهكذا يتحقق مبدئيا من خلال هذه الحادثة البند الثاني أن اللحم يتخلق بعد تخلق العظام ، وذلك أنه بالرغم من وجود طلائع جذوع العضلات بالقرب من طلائع العظام ضمن الكتل البدنية ، فإن هجرة طلائع اللحم تبدأ بعد هجرة طلائع العظام ، وهذا يعني أن طور اللحم يأتي زمنيا بعد طور العظام .
--> ( 1 ) تفسير أبي السعود - ( ج 6 / ص 126 ) . ( 2 ) تفسير الألوسي - ( ج 18 / ص 14 ) .