كريم نجيب الأغر

327

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

--> - فقول نوح عليه السّلام : إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ [ هود : 45 ] هو تفصيل لندائه المجمل لربّه عزّ وجلّ ، وتبييت البأس هو تفصيل للإهلاك المجمل ( شرح الكافية ، ق 2 ، م 2 ، ص 1309 ، بتصرّف ) . ومثال النوع الثاني الآية التي نحن بصدد تفسيرها ، أي الآية رقم 14 من سورة المؤمنون ، وذلك أن الكسوة التي وردت في الآية : فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [ المؤمنون : 14 ] أخص من الخلق في المعنى ، حيث إنه خلق مقيّد بتغطية شيء فوق شيء ، وبالتالي هو خلق مفصّل ومشروح بالنسبة للخلق المجمل الذي سبقه ، فاختلاف فعل « كسا » في فَكَسَوْنَا ، عن فعل « خلق » في فَخَلَقْنَا ، المتكرر مرّتين قبل فعل « كسا » ، يفيد التفصيل في هذه المرحلة خاصة . ومن الأمثال أيضا النص القرآني : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ( 6 ) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ( 7 ) [ الانفطار : 6 - 7 ] ؛ فالتسوية هي تفصيل للمرحلة التي تلي مرحلة الخلق المجمل ، حيث أن فعل « سوّى » هو نوع محدد من الخلق ، وبالتالي فهو يشير إلى أن أغلب عمليّات التخلّق في مرحلة التسوية مقيّدة بما يرمي إليه معنى فعل « سوّى » ، والتعديل هو تفصيل للمرحلة التي تلي مرحلة التسوية ، المجملة نسبيا لما بعدها ، حيث أن فعل « عدل » هو نوع محدد من التسوية ، وبالتالي فهو يشير إلى أن أغلب عمليّات التخلق في مرحلة التعديل مقيّدة بما يرمي إليه معنى فعل « عدل » . ولعلّ التخصيص ، والتدرّج من العام إلى الأخص ، دليل قوي من الأدلة ، على أن المراد من الآية الثانية - التي تلي آية أولى ، والتي يدخل عليها حرف « الفاء » - هو : « التفصيل بعد الإجمال » ، وذلك لأن التخصيص هو نوع من التفصيل في نهاية الأمر . ومن الكلام السابق نفهم أن معنى التعقيب ، إذا دخل على فاء « التفصيل بعد الإجمال » ، يشير إلى أن التفصيل هو للمرحلة التي تلي مرحلة أولى ذكرت بالإجمال . كذلك نفهم من هذا الكلام أن النوع الثاني من « التفصيل بعد الإجمال » لا ينفي عمليات المرحلة الأولى ، بل يؤكد استمراريتها ولكن في مجال أضيق من المجال الأول . ومن هذا المنطلق فإن فاء « التفصيل بعد الإجمال » التي أتت في الآية فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [ المؤمنون : 14 ] لا تنفي استمرارية تخلق العظام الذي جاء ذكره في الطور الأول ، بل ترمي إليه ، وذلك أنها تشير إلى استمرارية تطور العظام من خلال ذكر ما يحصل له على وجه الخصوص - أي على الصعيد الخارجي - ككسو العظام باللحم ، لغلبة هذه السمة على هذا الطور . وهذا التوجه تدعمه القرينة الخارجية التي تتلخص بآيات سورة الانفطار السالفة الذكر ، حيث إن فعل « سوّى » وفعل « عدل » يؤكدان أن هناك عمليات واسعة النطاق ، محدودة في فعلها ، تحصل للجنين ، وتشمل كل أعضائه ، بما فيها العظام ، كظهور مراكز التعظّم فيه . وبالتالي فإن الحكمة في إضفاء وظيفة « التفصيل بعد الإجمال » على حرف « الفاء » في الآية فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً [ المؤمنون : 14 ] هي أنها توحي في لغة العرب إلى استمرارية تخلق العظام ، وتأخّر تمامه إلى زمن يقع - أو يتأخّر - عن مرحلة طور الكساء باللحم ، وذلك إلى أجل غير محدد . ولعلّ وظيفة حرف « الفاء » ؛ « الترتيب والتعقيب » - إذا اقترنت بوظيفة « التفصيل بعد الإجمال » - ، هي -