كريم نجيب الأغر
301
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
أضف إلى ذلك ، فإن ذكر كلمة « مضغة » إلى جانب كلمة « مخلّقة » في الآية ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ . . . [ الحج : 5 ] ، يشير إلى حدوث أشياء في النمو كانت هي السبب في تغير الشكل الخارجي للجنين ، فنمو الكتل البدنية سبّب تغيرات في شكل الجنين . وقبل أن نختتم حديثنا عن المضغة ، نسوق دليلا آخر على أن المراد من النصوص الشرعية التي ذكرناها آنفا ، هو تخلق جميع أعضاء الجنين قبل نهاية فترة المضغة ، أي : في الأيام الأربعين الأولى من تخصيب البويضة . إن الحديث : « إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما . . . » [ أخرجه مسلم ح 43 ] يشير إلى حادثة « جمع الخلق » . والجمع كما مرّ معنا في مبحث « جمع خلايا الجنين » ، يشير إلى تضام الشيء بعضه إلى بعض . جاء في مقاييس اللغة : « جمع : الجيم والميم والعين أصل واحد ، يدلّ على تضامّ الشّيء » « 1 » . وحرف الهاء لفعل « جمعه » ، الذي ورد في الحديث : « إن اللّه تعالى إذا أراد خلق النسمة ، فجامع الرجل المرأة ، طار ماؤه في كل عرق وعصب منها ، فإذا كان يوم السابع ، جمعه اللّه تعالى ، ثم أحضر له كل عرق بينه وبين آدم ، ثم قرأ : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ » [ أخرجه الطبراني ح 21 ] ، يعود للماء . والجنين في هذه المرحلة ما يزال يشار إليه بالماء لأنه لم يتخلّق بعد ، وهذا يعني أن الجنين يجمع بعد اليوم السابع . وكما نعلم ، فإن خلايا الجنين وخلايا المشيمة تؤلّف قبل هذا الوقت مجموعة واحدة ، ومن ثمّ ما تلبث أن تنفصل مجموعة الخلايا التي ستؤلف الجنين ، عن مجموعة الخلايا التي ستؤلف المشيمة ، وتجتمع ضمن قرص جنيني ، فتنضم بعضها إلى بعض ، وهذا هو « جمع الجنين » . وأما هنا فالذي يجمع هو « خلق أحدكم » ، أي « خلق الجنين » ، وليس الجنين نفسه ، و « خلق الجنين » هو سائر أعضاء الجنين التي ستتخلق كما تشير إليه الآيات : أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) [ القيامة : 37 - 38 ] ، و . . . فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ . . . [ الحج : 5 ] .
--> ( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس - ( ج 1 / ص 479 ) .