كريم نجيب الأغر

297

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

--> - وجاء في تفسير القرطبي في تفسير الآية السالفة الذكر : « . . . قال الفراء : « مخلّقة » تامة الخلق ، « وغير مخلّقة » السقط . . . ( قال ) ابن زيد : المخلّقة التي خلق اللّه فيها الرأس واليدين والرجلين ، وغير مخلّقة التي لم يخلق فيها شيئا . . . وقد قيل : إن قوله : مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ يرجع إلى الولد بعينه لا إلى السقط أي منهم من يتم الرب سبحانه مضغته فيخلق له الأعضاء أجمع ، ومنهم من يكون خديجا ناقصا غير تمام . . . ( قال ) ابن عباس : المخلّقة ما كان حيا ، وغير المخلّقة السقط » . والتفسير السابق مجانب للصواب لعدّة أسباب : أولا : لم يركّز هؤلاء العلماء على وظيفة حرف العطف « الواو » الذي ورد في الآية ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ . فوظيفته العطف ، وتقتضي بأن صفتي التخلق وعدم التخلق تنطبقان كلاهما على المضغة في آن واحد ، فالمضغة مخلّقة وغير مخلّقة ، وليست مخلّقة أو غير مخلّقة ، وبالتالي فإن المضغة تتصف بالصفتين ، وليس بإحداهما . ثانيا : لقد اعتمد هؤلاء العلماء على الحديث : « إذا وقعت النطفة في الرحم بعث اللّه ملكا فقال : يا رب : مخلّقة أم غير مخلّقة ؟ فإن قال : غير مخلقة مجّتها الأرحام دما ، وإن قال : مخلّقة قال : يا رب : فما صفة هذه النطفة ؟ » [ رواه الطبري ح 32 ] أو الذي أخرجه ابن أبي حاتم بلفظ : « النطفة إذا استقرت في الرحم . . . » [ ح 33 ] لفهم الآية السالفة الذكر ، كما قرأنا من قول عامر الشعبي رضي اللّه عنه . وفي الحقيقة يتحدّث كلّ من الحديثين - رقم 32 و 33 - عن ظاهرة مختلفة عن تلك التي تتكلم عنها الآية السالفة الذكر ، لعدّة أسباب : أولا : تتكلّم الآية عن المضغة ، ويتكلّم كلّ من الحديثين عن النطفة . ثانيا : تتكلم الآية عن ذكر استقرار الجنين بنسبة كبيرة كما جاء في : ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ [ الحج : 5 ] ، بينما يتكلّم كلّ من الحديثين عن سقط الجنين بنسبة كبيرة ، كما في « فإن قال : غير مخلّقة مجّتها الأرحام دما » [ رواه الطبري ح 32 ] . ثالثا : لقد جاءت صيغة الاستفهام في الحديثين ، بينما لم ترد هذه الصيغة في الآية السالفة الذكر ، وهذا له دلالته ؛ فالتخلّق وعدم التخلّق ليسا صفتين لازمتين في الحال للنطفة التي تقع أو التي استقرّت في الرّحم ، وإنما صفتان ستئول إلى إحداهما النطفة كما تقرّره هذه الصيغة ؛ فالملك يسأل اللّه عزّ وجلّ هل يريد أن يخلق النطفة أم لا ؟ وهذا يعني أن النطفة ليست مخلّقة بعد ، وإنما ستتخلق فيما بعد ، على خلاف صيغة التقرير التي جاءت في الآية السالفة الذكر ، والتي تنص على أن التخليق وعدم التخليق صفتان لازمتان في الحال للمضغة من خلال وظيفة العطف التي وردت في آية سورة الحج . رابعا : إن المراد من الحديثين رقم 32 و 33 هو أن النطفة فور استقرارها تبدأ بالتخلق لتصبح فيما بعد مخلّقة ، فتنبثق منها العلقة ، فالمضغة . . . أو يتوقف تخلّقها في هذه الفترة ، لتقذف عندئذ من الرحم ، وبالتالي فلا يجب أن نستشهد بالحديث رقم 33 على أنه يفسّر الآية رقم 5 من سورة الحج ، لأنه يشير إلى طور يقع قبل وقوع طور تخلّق المضغة ، ويؤدي إليها ، وبالتالي فإن ظاهرة التخلّق أو عدم التخلّق التي جاء ذكرها في كل من المرحلتين ليست بالضرورة نفسها . -