كريم نجيب الأغر

283

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

الظلمات الثلاث * قال عزّ وجلّ : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [ الزمر : 6 ] . تتحدث الآية أعلاه عن موضوعين أساسيين هنا : الظلمات والتخلقات المتتالية . الآية خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ تشير إلى أن الجنين يمر في أطوار كما تحدثنا في مبحث « تعريف الأطوار » ، ولكن ما يضاف إلى هذا التفسير الآن هو أن هذه الأطوار يجب أن يكون لها طابع خاص ألا وهو : التخلق . فالطور هو الهيئة التي تظهر على الجنين والتي تتميز ببعض التغيرات التي تحصل فيها . وهذه التغيرات قد تكون تخلقات وقد تكون أشياء أخرى : كزيادة وزن الجنين أو عملية تميّز للخلايا . . . إلخ . ولكن ذكر الأطوار في هذه الآية بصيغة التخلق ( بقول اللّه تعالى : خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ بدلا من طور بعد طور ) يشير إلى أن الظلمات المذكورة هي ضرورية لهذه التخلقات . ترى ما هذه الظلمات ؟ وما خصائصها ؟ ولما ذا ذكرت هنا ؟ . لا بد أن نستأنس بآيات أخرى وردت في القرآن الكريم تتحدث عن الظلمات لكي تتضح لنا الصورة كليا . قال تعالى : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] . إذا تأملنا الآية أعلاه نستنتج أن هذه الظلمات يجب أن تكون واحدة فوق الأخرى ( كما في لفظ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ) ، بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الظلمات لا تنفي إمكانية وجود ضوء وذلك لأن اللّه تعالى قال : إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ولم يقل إذا أخرج يده لم يرها . إلى ذلك فإن آية سورة الزمر تحدد عدد الظلمات بثلاث ظلمات . هذه الظلمات ما هي إلا أغطية تحيط بالجنين في أطواره التكوينية . فالغطاء بمثابة حجاب والحجاب يؤدي إلى ظلمة ، وثلاثة أغطية تؤدي إلى ثلاث ظلمات .