كريم نجيب الأغر
24
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
وجاء في « تحفة المريد ، شرح جوهرة التوحيد » : « والعصمة - لغة - : مطلق الحفظ ، واصطلاحا : حفظ اللّه للمكلف من الذنب مع استحالة وقوعه ، ولا يجوز لنا سؤال العصمة بهذا المعنى ، كأن يقال : اللّهمّ إنّا نسألك العصمة . . . » « 1 » . 4 - لقد اختلف العلماء في قول الصحابي وفقهه : هل هو حجة ملزمة ؟ فإذا كان مذهب الصحابي في الفقه عامّة فيه خلاف ، فكيف نحتج أن كلامه حجّة في بحث كوني ليس له إلمام به ؟ . قال الإمام الغزالي : « الأصل الثاني من الأصول الموهومة : قول الصحابي . وقد ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا ، وقوم إلى أنه حجة إن خالف القياس ، وقوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اقتدوا باللذين من بعدي » ، وقوم إلى أن الحجة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا . والكل باطل عندنا ، فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ، ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله ، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ ؟ ، وكيف تدّعى عصمتهم من غير حجة متواترة ؟ ، وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف ؟ ، وكيف يختلف المعصومان ؟ ، كيف وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد » « 2 » . وفي النهاية من المهم جدّا أن ننوه أنّنا لا ندعي فهما للقرآن أكثر من فهم خير القرون ، قرن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكننا نقول : إن الكشوف العلمية التي انكشفت في هذا القرن أمدّتنا بفهم يقيني مدعوم بالدليل ، بخلاف الفهم الفطري الذي ساد في القرون الأولى ؛ فكلام الخالق سبحانه وتعالى عن أسرار خلقه في الآفاق وفي الأنفس غيب قبل أن يرينا اللّه حقائق تلك الأسرار بواسطة التقدم العلمي ، ولا طريق لمعرفة كيفياتها وتفاصيلها قبل رؤيتها ، وذلك لأن العقول البشرية محدودة الإدراك والزمان والمكان . ولقد اختلف السلف والخلف ، رضوان اللّه عليهم ، في شرح بعض آيات القرآن الكريم والحديث الشريف التي تتحدث عن العلوم الكونية ، فأصابوا في بعض الأحيان ، وأخطئوا في البعض الآخر ، وذلك لأن الخطأ في التفسير قد نشأ من جراء اعتماد المفسرين على العلوم التي توفرت في بيئتهم وفي عصرهم ، فحاولوا تفسير آيات تشير إلى حقائق كونية جد غريبة بالنسبة لعصرهم ، بما كانوا عليه من أفهام ،
--> ( 1 ) تحفة المريد ، شرح جوهرة التوحيد ، للبيجوري ، ص 149 . ( 2 ) المستصفى في علم الأصول للغزالي ، ص 168 ، وانظر أيضا ص 151 وص 171 .