كريم نجيب الأغر

233

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

غيض النطفة في الرحم يرافقه انتشار واسع ( للخلايا الآكلة SYN CYTIOTROPHOBLAST ) ( للكتلة الخارجية THROPHOBLAST ) في ظاهر بطانة الرحم ، مما يساعدها على الاستقرار فيه : فهي من جهة محاطة من كل الجهات بجدار الرحم ، ومن جهة أخرى تداخلت خلاياها بالأوعية الدموية التابعة لهذا الرحم . لذلك كانت مرحلة الغيض مرحلة استقرار للنطفة . وقد أشير إلى هذا الاستقرار في الحديث الشريف : « إن النطفة إذا استقرت في الرّحم أحضرها اللّه تعالى كل نسب بينها وبين آدم » [ أخرجه الطبراني ح 63 ] . ( انظر الصورة رقم : 62 ) . خلال هذه المرحلة تتميز مجموعة ( الكتلة الداخلية INNER CELL MASS ) إلى طبقتين : ( طبقة خلايا داخلية ، وطبقة خلايا خارجية HYPOBLAST EPIBLAST ) . كما أن الأرومة الغازية تتصل في هذه الفترة بأوعية بطانة الرحم . أما عن معنى الازدياد الوارد في الآية اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ . . . [ الرعد : 8 ] ، والذي يأتي بعد مرحلة الغيض ، فهو الزيادة الواضحة في حجم النطفة بعد أن تغيض في بطانة الرحم ، والزيادة في حجم ووزن الجنين بعد ما تتحول النطفة إلى أنبوب عصبي ( فعلقة ، فمضغة . . . إلخ ) كما سنرى في النصوص التي ستأتي في المباحث اللاحقة . وحديث « إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها اللّه تعالى كلّ نسب بينها وبين آدم » [ أخرجه الطبراني ح 63 ] يتكلم عن النطفة المخصبة ، لأن النطفة غير المخصبة لا سبيل لها أن تتخلق ( حيث إن عدد أعضائها غير مكتمل لعدم تخصيبها من قبل

--> - ولذلك وجب أن تأتي الآية باستعمال حرف « ما » ، ولعدمنا معنى الإبهام الذي تدل عليه « ما » دون « من » . ومن الجدير بالذكر أن فعل الغيض ، كما تشير إليه « ما » بمعنييها ( مصدرية وموصولة ) ، لم يكن معروفا قبل عهد الوحي ، حيث إن الإنسان آنذاك لم يكن على دراية أن النطفة تغور في ظاهر بطانة الرحم ، وجاء الوحي ليكشف اللثام عن فعل الغيض ، لا عن صفة الغائض ، فيبرز ما سيكتشف في المستقبل ، ويخفي ما لم يستطع البشر أن يحيطوا به توافقا مع وظيفة « ما » . وهذا إذا ما دلّ على شيء ، فهو يدل على إعجاز بياني يضاف إلى الإعجاز العلمي ، وهو كذلك إعجاز إخباري ، فتأمّل أيها القارئ ! . وفي النهاية نقول إن الحكمة من استعمال « ما » في النصوص الشرعية تتلخص بأنها : 1 - تعدّد دلالات النصوص الشرعية ( من عاقل وغير عاقل ، وكثير وقليل . . . ) ، وتتوافق مع أبعاد النصوص الشرعية في كل الأحوال . 2 - تصرف معنى الغيض في أكثر من اتجاه ( إما للحمل ، وإما للرحم ) . 3 - تغلّب بعض الدلالات مثل دلالة غير العاقل عندما يحتاج إليه الموقف .