كريم نجيب الأغر

209

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

للعيان مغلقا ، ولا سبيل إلى أن يفقه أحد كيف يمكن للنطفة أن تأتي من خارجه إلا إذا تفحص عالم بواسطة مجهر تركيب الرحم ، فعلى سبيل المثال : ظن العالم ( هارفي HARVEY ) 1651 م أن الرحم يفرز الجنين وذلك لعدم تمكنه من مشاهدة تطور الجنين في المراحل الأولى من تخلقه . نتوقف هنا عند الآية : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) [ المرسلات : 20 - 21 ] . فهي تشير إلى أن الماء المهين ، أي المني يجعل ، أي يوضع ، في القرار المكين ، أي الرحم ، إذ فعل « جعل » يأتي بمعنى « وضع » . جاء في لسان العرب : « جعل : جعل الشيء يجعله جعلا ومجعلا واجتعله ، وضعه . . . » « 1 » . وما يوضع في الرحم هو الماء بعد أن يلقح ، والدليل على ذلك أن اللّه سبحانه وتعالى قال في سورة المؤمنون : ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ . وهذه الآية تخص النطفة المخصبة لأن سياق الآيات التي تأتي من بعدها تتكلم عن التخلق البشري ، فلو أن النطفة لم تخصب ، لم تؤد إلى تخلق الإنسان ، ولما تكلم اللّه تعالى في الآيات اللاحقة في سورة المؤمنون عن تخلق العلقة من النطفة كما جاء في قوله عزّ وجلّ : ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً [ المؤمنون : 13 - 14 ] « 2 » . ولقد أكّد المولى عزّ وجلّ في موضع آخر من القرآن الكريم أن النطفة التي يتخلق منها الجنين هي النطفة المخصبة في قوله سبحانه وتعالى : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ . وكما أسلفنا القول فإن الآية رقم 13 من سورة المؤمنون تشير إلى أن النطفة المخصبة تدخل الرحم الموصوف بالقرار المكين باستعمال لفظ ( ثم جعلناه . . . في قرار . . . ) ، فلو أن النطفة كانت في القرار لم تكن لتجعل فيه ، وهذا يدل على أن النطفة المخصبة تأتي من خارج الرحم . والحديث رقم 32 يؤكد هذا بواسطة مصطلح آخر إلا وهو : « إذا وقعت النطفة في الرحم . . . » [ رواه الطبري ح 32 ] . فلو أن النطفة كانت في الرحم لما وقعت فيه . وهذا يدل على معجزة معرفة الرسول - عليه الصلاة والسلام - بتركيب الرحم ، حيث إن الرحم متصل بقناة فالوب التي تتلقى البويضة من المبيض - مستودع النطفة - ، فالوقوع في الرحم يلزم الخروج من مكان ثان ؛ ألا وهو « قناة فالوب » .

--> ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « جعل » - ( ج 2 / ص 300 ) . ( 2 ) للمزيد من التعليق الرجاء قراءة مبحث « العلقة » .