كريم نجيب الأغر

114

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

والسرعة في السير تضفي الخفاء على الشيء لأنه يقطع مسافة معيّنة في مدّة قصيرة فيغيب عن الأنظار . . . ومما يجب التنويه به هنا هو أن حرف « من » له عدة وظائف في اللغة ، فهو قد يأتي لابتداء الغاية في الأماكن والأزمنة ، أو للتبعيض ، أو للجنس . جاء في لسان العرب « 1 » : « من : . . . ومن بالكسر حرف خافض لابتداء الغاية في الأماكن ، وذلك قولك من مكان كذا وكذا إلى مكان كذا وكذا ، وخرجت من بغداد إلى الكوفة ، وتكون أيضا للتبعيض ، تقول : هذا من الثوب وهذا الدّرهم من الدراهم وهذا منهم ، كأنك قلت بعضه أو بعضهم ، وتكون للجنس كقوله تعالى : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً [ النساء : 4 ] ، فإن قيل : كيف يجوز أن يقبل الرجل المهر كله وإنما قال منه ؟ ، فالجواب في ذلك أن « من » هنا للجنس ، كما قال تعالى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج : 30 ] ولم نؤمر باجتناب بعض الأوثان . . . » . فإن اعتبرنا حرف « من » لابتداء الغاية في الأماكن ، فإنه ينطبق على السلالة معنى الخروج من مضيق ، أو من الزحام ، أو الخروج برفق ، وكان المعنى على هذا النحو : ثم جعل نسله من شيء ينسلّ برفق أو من مضيق أو من زحام إلى مكان كذا وكذا . وإن اعتبرنا حرف « من » للجنس انطبق على السلالة معنى السير السريع والسباق ، وكان المعنى على هذا النحو : ثم جعل نسله من ماء قليل يسير بسرعة . وإن اعتبرنا حرف « من » للتبعيض انطبق على السلالة معنى السمكة الطويلة ، وكان المعنى على هذا النحو : ثم جعل نسله من بعض المني يشبه السمكة الطويلة . المعنى الأول وهو الماء القليل : كلمة سلالة تشير إلى البويضة وإلى الحيوان المنوي لأنها تعني القليل من الماء ، وذلك حسب ما يشير إليه وزن الكلمة ، جاء في تفسير زاد المسير « 2 » : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [ المؤمنون : 12 ] : قال الزجاج : والسلالة فعالة ، وهي القليل مما ينسل ، وكل مبنيّ على فعالة يراد به القليل ، من ذلك : الفضالة ، والنّخالة ، والقلامة » . في هذه الحالة تكون وظيفة « من » للتبعيض ويكون المعنى على النحو التالي : ثم جعل نسله من ماء قليل ( أي من نطفة ) ينسل من ماء قليل أيضا ( وهو الماء الدافق ) .

--> ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « منن » - ( ج 13 / ص 201 ) . ( 2 ) زاد المسير لابن الجوزي - ( ج 5 / ص 462 ) .