كريم نجيب الأغر

11

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

الإتيان ولو بسورة من مثله ، ومع كونه معجزا في بلاغته ، فإنه حجة دامغة على أهل العلم التجريبي الذين وقفوا مشدوهين أمام الحقائق الباهرة التي دلّ عليها . ومعلوم أن القرآن قد حثّ على التعلم ، فكانت أول كلمة نزلت من القرآن الكريم : اقْرَأْ ، قال تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) [ العلق : 1 - 5 ] . ومن هنا نفهم أهميّة البحث ، فالبحث وسيلة لاكتشاف الحقائق ، وطريق للتمرس في العلوم عموما ، وبواسطته يرتقي الإنسان من الجهل إلى النور بإذن اللّه عزّ وجلّ . وخير هذه العلوم هي التي تؤدي إلى التفكّر في آيات اللّه تعالى ، فسبب خلق الإنسان هو التّعرّف على صفات اللّه تعالى ، من عظمة وحكمة . . . كما جاء في الآية الكريمة : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . والعلوم التي تؤدي إلى هذا الطريق هي خير العلوم على الإطلاق ، لأنها تخدم هذا الهدف السامي الذي وجد من أجله الإنسان ؛ فإحدى الطرق التي تؤدي إلى العبودية الكاملة لله تعالى هي التفكر في آيات اللّه عزّ وجلّ كما تشير إليه الآية الكريمة : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ البقرة : 164 ] . وإني أدعو كل مثقّف لينظر نظرة موضوعية إلى ما أشارت إليه النصوص من القرآن والسنة من حقائق علمية كبرى ، فتكون لهم سبيل هداية ، ومنار علم في آن واحد . كذلك فإني أحثّهم على إكمال الطريق في مجال البحث في النصوص المقدّسة لأن دلالاتها ستنكشف شيئا فشيئا وسيرتقي فهمها مع مرور الوقت فالله تعالى قال : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصلت : 53 ] . وهذا الكتاب يتحدّث عن مسألة خلق سيدنا آدم عليه السّلام ، ويظهر كيف أن المعطيات العلمية تتوافق مع المعطيات الدينية في هذا الشأن ، ولا تعارضها ، ويضع للقارئ تصوّرا جديدا لعملية تخلق سيدنا آدم عليه السّلام .