كريم نجيب الأغر
109
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
إلى ذلك فالنطفة في اللغة العربية هي القليل من الماء الذي يعدل القطرة . جاء في لسان العرب « 1 » : « النطفة : والنطفة القليل من الماء . . . والنطف : القطر ونطف الحب والكوز وغيرهما ينطف وينطف نطفا ونطوفا ونطافا ونطفانا : قطر » . وقد وردت عدة أحاديث للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وروايات للصحابة رضى اللّه عنهم تحمل هذا المفهوم منها : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بينما أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر بين رجلين ينطف رأسه ماء . . . » [ أخرجه مسلم ح 18 ] ، ومنها : « يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة » ، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه . [ أخرجه أحمد ح 19 ] . هذا هو مفهوم الصحابة رضي اللّه عنهم للنطفة . هذا وقد أوضح الرسول الكريم - عليه أزكى الصلوات وأطيب التحيات - أن مصدر الإنسان إنما هو من جزء من الماء بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من كل الماء يكون الولد ، وإذا أراد اللّه خلق شيء لم يمنعه شيء » [ أخرجه مسلم ح 17 ] ، فمنطوق الحديث أنّه ليس من كل الماء يكون الولد ، ومفهومه بل من جزء يسير منه ، وبهذا تكون النطفة - أي القطرة من الماء - السبب في خلق الإنسان . وهكذا نفهم لما ذا أطلق الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم لفظ « نطفة » على كل من بويضة المرأة والبويضة المخصبة ، بل وحتى على الحيوانات المنوية التي تنتقل هي أيضا من المهبل إلى قناة فالوب حتى تلقح بويضة المرأة . ( انظر الصورتين رقم : 23 - 24 ) .
--> - من مني ؟ أو ألم يك نطفة تمنى ؟ كما في قوله تعالى : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 45 ) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ( 46 ) [ النجم : 45 - 46 ] ، لكي نفهم المعنى ، غير أن تكرير أصل « منى » من خلال كلمتي « مني » و « يمنى » ، الذي يشير إلى تمني الشهوة بنزول السائل الجنسي دلّ على أن شهوة الذكر للأنثى ( أو شهوة الأنثى للذكر ) تلعب دورا كبيرا في تسهيل إذكار أو إيناث الجنين كما يشير إليه الحديث الشريف : « ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ، فإذا اجتمعا فعلا منيّ الرجل منيّ المرأة أذكرا بإذن اللّه ، وإذا علا مني المرأة منيّ الرجل آنثا بإذن اللّه » [ أخرجه مسلم ح 9 ] ، وكما أشرنا إليه في مبحث « الماء والمني / أن لمني الرجل ولمني المرأة دورا في تسهيل عملية إذكار أو إيناث الجنين ) : ومن هنا كان ارتباط آخر الكلام بأوّله » . * ومن ناحية أخرى : إن قول - على سبيل المثال - : ألم يك نطفة من ماء يتدفق ، ثم كان علقة ، فخلق ، فسوى ، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ، لن يحتفظ بجمال البيان ورونقه ، كما لا يخفى على العالم باللغة العربية ، ونحوها ، وبلاغتها . . . والله تعالى أعلم ، وأجلّ وأكرم . ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « نطف » - ( ج 14 / ص 187 ) .