كريم نجيب الأغر
107
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - وهذا الأسلوب جاء بوفرة في القرآن الكريم كما في قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [ البقرة : 34 ] ، حيث صرّح بأمر السجود للملائكة واستثنى منهم إبليس ، مع كونه ليس منهم ، إنما هو من الجن ( والأصل في المستثنى أن يكون من جنس المستثنى منه ) ، وكقوله عزّ وجلّ : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ [ التحريم : 12 ] ، حيث إن اللّه تعالى وصف مريم بنت عمران بأنها من القانتين ، ولم يصفها بأنها من القانتات ، فغلّب الذكور على الإناث ، وكقوله عزّ وجلّ : فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ [ الشورى : 11 ] ، فغلّب المخاطبين ، وهم بنو آدم على الأنعام ، ولم يقل للأنعام : يذرؤها فيه ، مع قربها للضمير إليها ، إلى ذلك من أمثال . وللمزيد انظر مبحث « التغليب » في كتاب « الأشباه والنظائر » ، للسيوطي ، ( ج 1 / ص 169 - 171 ) . وفي هذه الآية يتمثّل التغليب بنوعين : تغليب المذكّر ، وتغليب الأشهر ، وكلاهما من أنواع التغليب كما « في البرهان في علوم القرآن » ، ويتمثّل تغليب الأشهر بأن اللّه جلّ وعلا غلّب كلمة « مني » ( التي تشير إلى سائل الرجل الظاهر للعيان ) على كلمة « ماء » ( التي تشير إلى سائل الرجل والمرأة على حدّ سواء ) ، فصرّح بكلمة « مني » وأعرض عن ذكر كلمة « ماء » ، ويمثّل تغليب المذكر بأنه جلّ وعلا غلّب مني ( أو ماء ) الرجل على ماء المرأة ، أي أنه صرّح بمني ( أو ماء ) الرجل فقط ، وورّى عن ذكر ماء المرأة ، مع استوائهما في إرادة المتكلم لعدّة أسباب : - في مجال تغليب كلمة مني ( أو ماء ) الرجل على ماء المرأة : 1 - أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعث بجوامع الكلم كما أشرنا إليه في مبحث « المنهجية المتّبعة في وصف الأطوار الجنينية » ، وبالتالي فإن اللّه تعالى بذكر الآية : نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى [ القيامة : 37 ] ، أتاح لنا تفسير النص القرآني : أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 39 ) [ القيامة : 37 - 39 ] بوجهين سليمين ، يتّفق كلّ منهما مع قدرات القرّاء وثقافتهم ، سواء أكانوا متأخرين أم متقدمين . فمن الممكن في هذه الحالة أن نرجع ضمير « الهاء » في قوله تعالى : فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى إلى الإنسان المذكور في سورة القيامة على العموم - وذلك يجوز لأن موضوع سورة القيامة يتكلم عنه - ، أو للمني المذكور في الآية : أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى [ القيامة : 37 ] - وذلك يجوز أيضا لأن كلمة « مني » هي أقرب مذكور إلى ضمير الهاء في « منه » - ، وكلا الوجهين صحيح علميا ، ويؤدي إلى فهم النص القرآني على نحو سليم . ففي الحالة الأولى من الممكن أن نفهم أن الآية تفيد أن إذكار أو إيناث الجنين يحصل بعد مرحلة التسوية المشار إليها في قوله عزّ وجلّ : ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى [ القيامة : 38 ] ، والمذكورة مباشرة قبل الزوجين : الذكر والأنثى ، كأن نقول إن الآية تقول : فسوى ، ومن ثمّ جعل من الإنسان ( أي الجنين ) الزوجين : الذكر والأنثى ، كما سنفصّله لاحقا في مبحث « النشأة / مرحلة القابلية للحياة / التعديل / التميز الجنسي » . وهذا المفهوم يدعمه الحديث الشريف التالي : « إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث اللّه إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال : يا رب : أذكر أم أنثى ؟ . . . » [ أخرجه مسلم ح 45 ] . وإذا أرجعنا ضمير « الهاء » في قوله تعالى : فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى -