محمد هادي معرفة
7
التمهيد في علوم القرآن
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً « 1 » ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً « 2 » . نعم ، إنّها شذرات بدت من طيّ كلامه تعالى ، ورشحات فاضت من عرض بيانه ، كانت عظيمة وفخيمة ، كلّما تقدّمت ركب الحضارة ، وتألّق نجم العلم والمعرفة على آفاق الوجود ، وإذا بالقرآن يسبق الانسان بخطوات ، ولا يكاد يلحق أذياله في هذا المسير وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ « 3 » . وهذا نظير ما يؤثر عن مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام من كلمات جاءت في عرض كلامه ، وهي تنمّ عن خضمّ بحر متلاطم أمواجه ، بعيد أغواره ، أو كما قال هو عليه السّلام : ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليّ الطير . فمن ذلك قوله في عجائب خلقة الإنسان : اعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم ، ويتكلّم بلحم ، ويسمع بعظم ، ويتنفّس من خرم « 4 » . كان علم التشريح « 5 » القديم يرى من طبلة الاذن « 6 » العضو الأساسي لآلة السمع ، وذلك بتذبذب يحصل فيه على أثر الموج الصوتي الوارد عليه ، وعلى أثره يحصل تموّج في الهواء الراكد المحفوظ في حفرة الصماخ خلف هذا الغشاء ، وهذا التموّج يؤثر في العصب الدماغي المفروش على سطح الصماخ الباطني ، وبذلك ينتقل الصوت إلى مركزه في المخّ ويحصل السماع « 7 » .
--> ( 1 ) الكهف : 109 . ( 2 ) الطلاق : 12 . ( 3 ) النحل : 89 . ( 4 ) نهج البلاغة : قصار كلماته رقم 8 . ( 5 ) علم وظائف الأعضاء ، وقد شرحه ابن سينا في القانون : ج 1 ص 24 فما بعد . ( 6 ) هو الغشاء الفاصل بين التجويفين الداخلي والظاهري للاذن . ( 7 ) قال ابن سينا بصدد تشريح الاذن : الاذن عضو خلق للسمع وجعل له صدف معوجّ ليحبس جميع الصوت ويوجب طنينه ، وثقب يأخذ في العظم الحجري ملولب معوجّ ليكون تعويجه مطولا لمسافة الهواء إلى داخل مع قصر تحته . وثقب الاذن يؤدّي إلى