محمد هادي معرفة

335

التمهيد في علوم القرآن

والأحلام ، بل في عالم الواقع ، ومنحه إنسانيته وكرامته التي خلق عليها متساويا مع السادة الأحرار . وهذا هو التحرير النفسي للأرقّاء ، قام به الإسلام خرقا لسائر النظم التي كانت سائدة ذلك العهد . وهذا تمهيد في سبيل الوصول إلى تحريرهم الواقعي الذي كان يبدو ممتنعا ذلك الوقت ، غير أنّ تمهيد السبيل إليه أصبح ممكنا ، وقد قام به الإسلام بكلّ جهده . لقد كانت هذه الخطوة التي خطاها الإسلام - وكانت ناجحة - هي في الواقع كانت تحريرا روحيا للأرقّاء ، يردّ إليهم الانسانية ، ويعامل معهم على أنهم بشر لا يفترقون عن السادة من حيث الأصل والنسب الانساني الكريم . وأنّ الرقّية كانت حصيلة ظروف وأعراف طارئة ، عارضت سبيل الحرّية الخارجية للأرقّاء ، ولا بدّ أن تزول يوما والإسلام من ورائه . والذي عمله الإسلام ذلك الوقت هو أنه لم يكتف بذلك التحرير الروحي ، بل تجاوزه إلى تحرير واقعي ( خارجي ) وبنى قاعدته الأساسية العظمى وهي : المساواة الكاملة بين البشر ، وهو تحرير كامل لكلّ البشر . ولذلك عمل فعلا على تحرير الأرقّاء بوسيلتين كبيرتين : هما العتق والكتابة - على ما مرّت عليك - . وبذلك كان الإسلام قد خطا خطوات فعلية واسعة في سبيل تحرير الأرقّاء . لكن لما ذا لم يخط خطوته النهائية ، ولم يقل كلمته الأخيرة حينذاك ؟ ومن ثمّ قد يخطر بالبال : إذا كان الإسلام قد خطا هذه الخطوات كلّها نحو تحرير الأرقّاء ، وقد سبق العالم كلّه متطوّعا غير مضطرّ ولا مضغوط عليه ، فلما ذا لم يخط الخطوة الحاسمة الباقية ، فيعلن بصراحة كاملة إلغاء الرقّ من حيث المبدأ ، وبذلك يكون قد أسدى للبشرية خدمة كبرى ، فيكون هو النظام الأكمل والجدير بأن يصدر عن اللّه الذي كرّم بني آدم وفضّلهم على كثير ممّن خلق ؟