محمد هادي معرفة

296

التمهيد في علوم القرآن

وقد مثّل لذلك بالقاعدة التي تقضي بأنّ العقود المنشأة على الوجه القانوني تلزم المتعاقدين . ولتصوير هذه المسألة في القرآن فإننا نجد النصّ على لزوم الوفاء بالعقد المنشأ على الوجه الشرعي . يتبين ذلك في قوله تعالى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ « 1 » ، والآية تتضمّن صفة الإلزام . وهي بضميمة قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ « 2 » التي مقتضاها النهي عن الأكل بالباطل ، بمعنى إجراء العقد على خلاف الشرع « 3 » ، فيتحصّل لدينا نصّ قانوني محدّد . وقد ذهب الفقهاء إلى أصالة اللزوم في العقود . ثمّ إنّ القانون - في تنظيمه لسلوك الأفراد وعلاقاتهم في المجتمع - إنّما يفعل ذلك ببيان حقوقهم وواجباتهم . والقاعدة القانونية بلحاظ انّها قاعدة اجتماعية تفرض نظاما معيّنا ، وهي ذاتها التي تخوّل الحقّ فتضع بين يدي الشخص سلطة تمكّنه من أن يعمل على وجه معيّن ، في علاقته بغيره ، أو تفرض عليه واجبا في هذا السبيل . وهنا يلزم التنبيه إلى أمر مهم ، وهو أنّ القرآن الكريم وإن اعتنى عناية مباشرة بعملية التقنين والتشريع في نطاق الأسرة والمجتمع ، ولكنه أوكل جانبا من ذلك إلى النخبة المتخصّصة ( أي الفقهاء ) كما أشار إلى ذلك في قوله تعالى : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ . . . « 4 » . وهي قيمة حضارية كبرى ينبّه إليها القرآن العظيم ، وهي احترام ذوي الاختصاص وهم الفقهاء ، في هذا الصدد ، أي في سنّ القوانين ليكون في مجال ما اصطلح عليه بمنطقة الفراغ .

--> ( 1 ) المائدة : 1 . ( 2 ) البقرة : 188 . ( 3 ) الكشاف للزمخشري : ج 1 ص 233 ( طبعة دار الكتاب العربي ، بيروت ، ط 3 ، 1987 ) . ( 4 ) التوبة : 122 .