محمد هادي معرفة
294
التمهيد في علوم القرآن
إنّ القرآن الكريم يدعو إلى عملية التأمّل أولا ، والتأمّل هنا عملية التفكير ، يمكن أن تتمّ بانفراد ، وهذا هو الشائع ، ويمكن أن تتمّ بصورة مشتركة ، وهذه التفاتة بارعة من القرآن الكريم في التنبيه إلى أهمّية البحث والتفكير المشترك ، قال تعالى : قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا . . . . « 1 » . ثمّ يتّجه القرآن الكريم إلى الدعوة لطرح الافتراضات الممكنة أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ « 2 » . ثمّ يصعد إلى مرحلة اختبار الافتراض وتقليب الوجوه في المسألة ، قال تعالى : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ * أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ « 3 » ، وقال تعالى : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ « 4 » . إذا هكذا في خطوات علمية : فرض ، واختبار الفرض ، واستنتاج مبنيّ على المنطق والتجربة والعقل ، يرسم القرآن الكريم أبعاد المنهج ، ويدعو إلى التمسّك به في سائر المجالات ، قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ « 5 » . وأخيرا ، ولمّا كان الحوار أساسا مهمّا سواء مع الذات أو مع الآخرين أو في عملية التفكير والبحث المشترك - كما دعا إليه القرآن - فإنه يدلّنا ( أي القرآن ) على أسلوب المحاورة العلمية الرصينة ، فهو يعلّمنا أن ننطلق أولا من مسلّمة لدى الطرفين ، أو من افتراض مقبول ، وهو ما صرّح به القرآن قائلا وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ « 6 » ، ثمّ لتبدأ المحاورة بعد ذلك ولكن على شرط أن يقدّم كلّ واحد دليلا على ما يقوله ، قال تعالى : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ « 7 » ، وهو
--> ( 1 ) سبأ : 46 . ( 2 ) الطور : 35 . ( 3 ) الواقعة : 58 و 59 . ( 4 ) الواقعة : 63 و 64 . ( 5 ) الزمر : 21 . ( 6 ) سبأ : 24 . ( 7 ) البقرة : 111 ، الأنبياء : 24 ، النمل : 64 .