محمد هادي معرفة
287
التمهيد في علوم القرآن
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ « 1 » . وقال تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ « 2 » . والطاغوت « هو كلّ رئيس في الضلالة ، وكل من يعبد من دون اللّه ، وكل شيطان ، وكل كافر » « 3 » ، استنادا إلى هذه المجموعة من الآيات ، فلو لم يكن القرآن الكريم قد تعهّد وتكفّل بالوفاء بكلّ ما يحتاجه البشر ، ولو لم يشتمل ويتضمّن حلّا ومعالجة للخصومات والنزاعات ، وفق أحكام محدّدة ، لما كان معنى للنهي عن الاحتكام إلى الآخرين ، بالأخصّ وأنّ الإطلاق الوارد في النهي عن الاحتكام إلى الطاغوت ، ينصرف إلى مطلق الأحكام غير الإلهية ، يؤيّد ذلك ما جاء عن الإمام الصادق عليه السّلام كما في رواية أبي بصير أنه قال : من حكم في درهمين بغير ما أنزل اللّه عزّ وجل فهو كافر باللّه تعالى « 4 » . إنّ ما استظهرناه من هذه الشمولية والاستيعاب ، والأسس التي اعتمدناها في ذلك ، استفدناه أيضا ومباشرة ممّا نبّه إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فقد جاء عن الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله أنه قال عن القرآن الكريم : كتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم . هو الفصل ليس بالهزل . هو الذي من تركه من جبّار قصمه اللّه ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه اللّه . فهو حبل اللّه المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا يشبع منه العلماء « 5 » . وجاء عن أمير المؤمنين علي عليه السّلام في معرض ذمّه للاختلاف في كتاب اللّه ، قال : 0 ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ، ثمّ ترد تلك
--> ( 1 ) البقرة : 145 . ( 2 ) المائدة : 49 . ( 3 ) فخر الدين الطريحي : مجمع البحرين 1 : 276 باب الألف أوله طاء ، وراجع الكشاف للزمخشري 1 : 525 . ( 4 ) وسائل الشيعة : ب 5 من أبواب صفات القاضي ح 6 ج 18 ص 18 . ( 5 ) مجمع البيان ج 1 : ص 15 من المقدّمة ( دار إحياء التراث العربي ، ط 1 ، 1412 ه ) .