محمد هادي معرفة

278

التمهيد في علوم القرآن

والحقيقة أنّ الاعتقاد بمحاسبة الانسان على كلّ عمل يأتيه ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً « 1 » . إن هذه العقيدة تدفع المسلم إلى الاتّزان في سلوكه ، كما يعمّق في نفسه جذور العاطفة وحبّ الخير العام . أمّا الاعتقاد بالعناية الربّانية والرحمة والحبّ وقدرة اللّه المطلقة فهو يؤدّي به إلى الخضوع أمام ربّه العليّ القدير ، ويجعله يمارس تلك الفضائل البطولية التي نشأ عنها ما يرمي به المتعصّبون ضدّ الإسلام من أنه دين زهد وتقشّف ، وكذلك قولهم : إنه يعتمد على الصبر والاعتزال والشدّة في تجربة النفس ، والإسلام يجعل المرء يحاسب ضميره بشدّة وقلق ، ويلزمه أن يدرس الدوافع التي تتحفّز في نفسه بكلّ عناية وحذر . إنّه يجعله أن لا يثق في قوّته الشخصية ، بل يعتمد على عون اللّه في الصراع الذي ينشب بين الخير والشرّ في نفسه « لا حول ولا قوّة إلّا باللّه » « بحول اللّه وقوته أقوم وأقعد » كلام يقوله متكرّرا في صلاته اليومية . هكذا جاء القرآن بهكذا مفاهيم رقيقة ، هي منسجمة مع فطرة الانسان وذهنيّته عن الدين وعن شريعة السماء . لقد كانت مفاهيم سائر الأديان - التي كانت رائجة ودارجة عهد نزول القرآن - والفروض التي نشأت عنها خالية من كلّ معقولية تجعلها قابلة للتطبيق ، كما وأنها ناقصة الاطّلاع والإحاطة بطبيعة البشر وذات فطرته الأولى ، فأدّى بها ذلك إلى أن تضمّ بين جوانحها كثيرا من حماس الحالمين وغموضهم . وكان من ذلك أن بقيت تلك المفاهيم وفروضها عديمة الجدوى في تجارب الحياة العادية وممارستها . وإنّها لقاعدة سليمة ، تلك التي تقول : إنّ الطبيعة العملية في دين ما ، وتأثيره

--> ( 1 ) الكهف : 49 .