محمد هادي معرفة
25
التمهيد في علوم القرآن
والنمط الثاني من الآيات : ما كان المقصود من الكتاب المذكور فيها هو اللوح المحفوظ ، كهذه الآية على قول ، وكقوله تعالى : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ « 1 » فإنّ المراد به هو اللوح المحفوظ ، وهو كناية عن علمه تعالى الأزلي . وأمّا حديث عبد اللّه بن مسعود : « من أراد علم الأوّلين والآخرين فليتدبّر القرآن » فقد أراد علم الشرائع ومكارم الأخلاق ، لأنّ ذلك هو ممكن الاستفادة من القرآن لمن أرادها . نعم ، كان استدلال أبي حامد الغزالي معقولا : إنّ العلوم كلّها داخلة في أفعاله اللّه عزّ وجلّ وصفاته ، وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته ، وهذه العلوم لا نهاية لها ، وفي القرآن إشارة إلى مجامعها . . إنّه يعني أنّ ما يبدو في هذا الوجود من علوم وفنون ومعارف فانّها تجلّيات لصفاته تعالى ، وبما أنّ القرآن مهبط ظهور هذه التجلّيات فلا بدّ أن تتجلّى من خلال كلماته وجمله وعباراته ما يشي بمبادئ تلك الظهورات . . . وإن كانت في صورة رشحات وخطفات عابرة . . . لانّها صادرة من ذلك البحر الخضمّ المتلاطم . فالذي نقول به ونعتقده ، هو : أن قطعيّات العلوم والمعارف البشرية تجعل باستطاعتنا القدرة على فهم معاني القرآن ، وأنّ في القرآن إشارات عابرة إلى أسرار الوجود ، لا يمكن فهم حقيقتها إلّا بعد معرفة جملة من العلوم والوقوف على كثير من أسرار الطبيعة الكامنة التي كشفها العلم وسيكشفها على استمرار ، وهي خير وسيلة نافعة للحصول على فهم كتاب اللّه وكشف رموزها وإشاراتها الخافية .
--> ( 1 ) الأنعام : 59 .