محمد هادي معرفة

232

التمهيد في علوم القرآن

وقالوا : « إنّه يقوم بما يقوم به دون أيّ اعتبار لتضحيات البشر » . هكذا زعموا ، فلنر ما إذا كان هذا التقدير صحيحا . إنّ اله المسلمين هو القويّ العليم العدل ربّ العالمين ، فاطر السماوات والأرض ، وهو الذي ذرأ الحياة ، وكتب الموت ، بيده السيطرة على كلّ شيء ، وهو الأوّل والآخر ، وصاحب القوّة التي لا تقاوم ، وهو العظيم القويّ الذي استوى على العرش . إنّ اللّه هو القويّ ، الرحيم ، العليّ ، الخالق ، الصانع ، المصمّم ، العاقل ، العادل ، الحقّ ، السريع الحساب . إنّه هو الذي يعرف مثقال الذرّة من خير أو شرّ عمله الإنسان ، وهو الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا ، والحقّ أنّ هذا الرحيم العادل هو أيضا الملك القدّوس السلام المؤمن المهيمن الحارس على مصالح عباده . وهو كذلك ملجأ العاجز ومرشد الضالّ ، والمعطي الوهّاب ، صديق المحروم ، ومستشار المظلوم ، في يده كلّ الخير ، وهو السيّد الكريم ، الغفور ، السميع ، القريب ، الشفوق ، الرحيم ، الذي يحبّ الإنسان أكثر من حبّ الطير لصغاره . إنّ رحمة اللّه لهي من أوسع المواضيع التي تضمّنها القرآن ، وكلمة ( الرحمن ) التي تتفتّح بها كلّ سورة من سور القرآن الكريم في البسملة والتي تدلّ على إله رحيم إنّما تعبّر تعبيرا عميقا عن ذلك الحبّ الذي يكنّه خالق السماوات والأرض لعباده . إنّ ما تعرّض له أتباع الفئتين سالفتي الذكر ( اليهود والمسيحيين ) من تحقير خلقي ، قد اعتصر قلب الرسول ، ثمّ تحوّل هذا الألم إلى شجب للمعتقدات الخرافية التي كانوا يمارسونها خلافا لتحذيرات رسولهم . إنّ نار الغيرة الدينية التي اشتعلت في صدر أشعياء وجرميا قد عادت واشتعلت في صدر رجل آخر أعظم منهما . وقد شجب هذا الرجل ولكن دون نواح ، صيحات اليأس والكمد حول تقليل قيمة الانسانية ، وأسمعهم صوت الأمل والعقل . وقد عنف القرآن اليهود بشدّة على عبادتهم آلهة مزيّفة من الأوثان ،