محمد هادي معرفة
213
التمهيد في علوم القرآن
مسائل ممّا لم يكد يعرفه الإنسان . وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ « 1 » . الأمر الذي جعل من القرآن آية باهرة ومعجزة قاهرة ، دلّت على أنّه ليس كلام البشر ، وإنّما هو وحي أنزله اللّه تعالى هدى ورحمة للعالمين . * * * كما وأتحف للبشرية جمعاء برامج لنظم الحياة وليعيش في سلامة وتؤدة وهناء ، ممّا لم يسبقه - كما لم يلحقه - شريعة وضعها الإنسان . كانت الأنظمة التي وضعها الإنسان لنظم حياته غير كافلة لسعادة ، فإنّها وإن كانت راقية من جانب لكنّها كانت سافلة وسحيقة من جوانب اخر ، كانت منا شئ الخسّة والدناءة عليها بادية . الإنسان مهما ارتقى في مدارج الكمال فإنّه لا يمكنه الانطلاق من قيود نزعاته الهابطة التي تربطه بخسائس الأرض أكثر ممّا يرتقيه إلى آفاق السماء . الإنسان لا يستطيع التخلّص من براثن الحيوانية والبهيمية التي تتحكّم في نفسه إذا لم تكن مهذّبة تهذيبا يتناسب ومعالي الانسانية الرفيعة . ومن ثمّ فإنّ سماته الخسيسة سوف تبدو على ما يضعه من قانون أو يعرضه من شرائع وأنظمة لتنظيم الحياة . وكلّ إناء بالذي فيه ينضح . إنّ ما يأتي به الإنسان من علم ومعرفة إنّما هي ترشّحات نفسه وصفاته الباطنة في شخصه . إنّ فكرة الإنسان وليدة مشاعره عن هذه الحياة ، إنّه يفكّر حسبما يعيش ، كما يعيش حسبما يفكّر ، لأنّ الإنسان وليد جامعته ونتيجة بيئته . والبيئة هي التي تكوّن شخصية الأفراد الناشئة منها ، فكيف يحاول الترقية ببيئته وهو حصيلها ! ! إنّ القيم الساطية على البيئات هي التي توجّه مسيرة الإنسان في مشاعره وفي أفكاره . فلا بدّ أن يكون ما يضعه من قانون وشريعة هي مسيّرة من خارج
--> ( 1 ) العلق : 3 - 5 .