محمد هادي معرفة

21

التمهيد في علوم القرآن

هذا كلامه الظاهر في اشتمال القرآن على دقائق ولطائف لا يمكن الوقوف على حقيقتها إلّا بعد الحصول على علوم مرتبطة ومعارف متناسبة مع الذي جاء في القرآن . وهو كلام صحيح ، حيث إحدى الوسائل لمعرفة معاني كلام اللّه تعالى ، هي العلوم والمعارف البشريّة العالية . وهناك فرق بين الانبعاث نحو العلوم والمعارف ، وبين الانتشاء واستخراج العلوم منه . فإنّ الصحيح هو الأول دون الأخير الذي ذهب إليه أمثال المرسي . * * * ولأبي إسحاق الشاطبي - الفقيه الأصولي - ( المتوفّى سنة 790 ه ) رأي معارض ، ينكر على القائلين باشتمال القرآن على أنواع العلوم غير الشرعيّة ، وحتى الإشارة إليها سوى ما كانت العرب تعرفه من علوم متعارفة ، كعلم الأنواء وبعض التواريخ وما أشبه ممّا كان متداولا لدى العرب وأشار إليه القرآن في عرض كلامه . . . قال : إنّ العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس ، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق ، واتّصاف بمحاسن الشيم ، فصحّحت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه ، وأبطلت ما هو باطل ، وبيّنت منافع ما ينفع من ذلك ، ومضارّ ما يضرّ منه . ثمّ ذكر من العلوم الصحيحة التي اعتنت العرب بها علم النجوم وما يختصّ به من الاهتداء في البرّ والبحر ، واختلاف الأزمان باختلاف سيرها ، وما يتعلّق بهذا المعنى . ثم قال : وهو معنى مقرّر في أثناء القرآن في مواضع كثيرة ، كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ « 1 » وقوله : وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ « 2 » وقوله : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ

--> ( 1 ) الأنعام : 97 . ( 2 ) النحل : 16 .