محمد هادي معرفة

205

التمهيد في علوم القرآن

وقال : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ « 1 » . تلك قولة من سقطت حجّته واستفلس برهانه ، ومن ثمّ ردّ عليهم سبحانه بقوله : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ « 2 » . * * * ومن الإخبار بالغيب القريب ما جاء بشأن غلبة الفرس على الروم وسينقلب الأمر في وقت قريب . قال تعالى : غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 3 » . كانت المعارك دامية بين الروم والفرس أيّام الملك « خسرو أبرويز » فكانت الحروب مستمرّة من سنة 603 م إلى سنة 627 م ، وكانت الكفّة راجحة لإيران في أول الأمر حتّى عام 622 م ، وبعده انقلب الأمر ودارت الدائرة على إيران ، وكانت الغلبة لبيزانس حيث الغلبة حالفت هرقل ملك الروم حتّى نهاية أمر خسرو أبرويز عام 628 م حيث قتل في الطامورة على يد نجباء إيران ذلك اليوم ، وبدأ ملك « شيرويه » الملك الذي انهزم أمام جيوش الإسلام في نهاية الامر « 4 » . والآية نزلت بمكّة ، حيث كانت الغلبة للفرس على الروم ، حتّى عام 622 م وهو عام الهجرة إلى المدينة ، فكانت الهجرة مقارنة لغلبة الروم على الفرس ، تمهيدا للفتوحات التي كانت تنتظر المسلمين تجاه قوى الفرس المنحلّة بعد تلك الحروب الدامية ، وقد شلّت قواهم تجاه تلك المعارك المضنية . ولعلّ الآية نزلت في بعض فتوحات الفرس لبلاد الروم ، ولا سيّما فيما قارب

--> ( 1 ) الأنعام : 148 . ( 2 ) الأنعام : 149 . ( 3 ) الروم : 2 - 6 . ( 4 ) راجع تاريخ إيران لحسن پيرنيا : ص 222 - 227 .