محمد هادي معرفة
192
التمهيد في علوم القرآن
فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عبد اللّه بن صوريا - أحد علمائهم بخيبر وكان عالما بالتوراة - فقال له النبي صلّى اللّه عليه وآله : إنّي أنشدك باللّه ، هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن ؟ قال ابن صوريا : نعم ، هكذا أنزل اللّه في التوراة ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وآله : فما ذا كان أول ما ترخّصتم به أمر اللّه - أي تهادنتم به - ؟ قال : كنّا إذا زنى الشريف تركناه وإذا زنى الوضيع أقمنا عليه الحدّ ، فكثر الزنا في أشرافنا ، فوضعنا الجلد والتحميم « 1 » وهو أن يجلد أربعين جلدة ثمّ يسوّد وجهه ، ويطاف بالبلد راكبا على حمار وجهه على دبر الحمار ، فجعلوا هذا مكان الرجم . فقالت اليهود لابن صوريا : ما أسرع ما أخبرته به ، وما كنت - لما أتينا عليك - بأهل ، ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك . فقال : إنّه أنشدني بالتوراة ، ولولا ذلك لما أخبرته به ، فأمر بهما النبي صلّى اللّه عليه وآله فرجما عند باب المسجد ، وقال : أنا أول من أحيا أمر اللّه إذا أماتوه ، فأنزل اللّه في ذلك : يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 2 » . فقام ابن صوريا ووضع يديه على ركبتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ثمّ قال : هذا مقام العائذ باللّه وبك أن تذكر لنا الكثير الذي أمرت أن تعفو عنه . فأعرض النبي صلّى اللّه عليه وآله عن ذلك . ثمّ سأله ابن صوريا مسائل كثيرة ، أوردها الطبرسي في تفسيره « 3 » . ومن هذا القبيل ما أخبر القرآن الكريم عن أساليبهم الملتوية في إدخال الوسواس والأحزان في قلوب المؤمنين . قال الطبرسي - في تفسير قوله تعالى :
--> ( 1 ) قال ابن الأثير : في حديث الرجم « إنه مر بيهودي محمم مجلود » أي مسود الوجه ، من الحممة وهي الفحمة . ( 2 ) المائدة : 15 و 16 . ( 3 ) مجمع البيان : ج 3 ص 193 - 194 .