محمد هادي معرفة
151
التمهيد في علوم القرآن
وعناصر الهواء موجودة فيه بصورة اختلاط ميكانيكي ، وليست ممزوجة امتزاجا كيماويا . ومعنى ذلك أنّها لا تتفاعل مع بعضها ، وأنّ كلّا منها محتفظ بكيانه مستقلّا كأن لا وجود للعناصر الأخرى . وفي هذا من الحكمة البالغة والنعمة السابغة ما لا يكاد يخفى ، إذ لولا ذلك لاكتسب الهواء مميّزات وخواصّا كيماوية أخرى تختلف عن مميّزاته الحالية ، فلم تكن تصلح للحياة بشكلها المعروف ، وتنوّعاتها التي نشاهدها على سطح الكرة . خذ مثلا أنّ غاز الآزوت لا يتّحد مع غيره اتّحادا كيماويا إلّا بصعوبة وبشرائط ملائمة خاصّة ، فيتّحد في مثل هذه الظروف مع غاز الأوكسجين ، مكوّنا ما يسمّونه بحامض الآزوتيك أو النتريك ، وهو ما يعرف عند القدماء بماء الفضّة ، وهو أقوى الحوامض وأضرّها على حياة الإنسان بالذات . فلو كان الغازان يمتزجان مع بعضهما امتزاجا كيماويا بسهولة ويسر وبلا واسطة أعمال كيماوية ، لانقلب الجوّ جهنّم سعيرا ، لأنّه بذلك كان الغازان يستحيلان في الجوّ حامضا فتّاكا ، ولأمطرت السماء ماء الفضّة بدلا من الماء العذب الفرات ، وما هو إلّا شواظ من نار ولهيب جهنّم لا يبقي ولا يذر ، فسبحانه وتعالى من رؤوف رحيم . قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا « 1 » . وإذ قد عرفت أنّ أربعة أخماس الهواء هو الآزوت ( النتروجين ) وهذا الغاز لا يكاد يتّحد في العادة بشيء ولا بالاوكسجين الذي يكاد يتّحد بكل شيء لكن الكيماويين وجدوا أنّهم يستطيعون بالكهربائية أن يحوّلوا الآزوت غير الفعّال إلى آزوت فعّال يتّحد بأشياء كثيرة في درجة الحرارة العادية . كما وجدوا أنّهم يستطيعون أن يحملوا الآزوت على الاتّحاد بالاوكسجين بإمرار الشرر الكهربائي في مخلوط منهما . ومن هذا الاتّحاد ينشأ بعض أكاسيد للآزوت ، قابل للذوبان في
--> ( 1 ) يونس : 58 .