محمد هادي معرفة

149

التمهيد في علوم القرآن

الماء الأجاج لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً . هل في سنن الكون أن يتحوّل ماء المطر - الذي هو أنقى المياه وأعذبها - إلى ماء أجاج لا يستساغ شربه ولا يطيب طعمه ؟ الآية قبلها تنصّ على أنّ الماء الذي يشربه الناس والدوابّ - وحتّى الذي يسقى به الزرع والنبات - هو الماء النازل من السماء : أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ « 1 » أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ « 2 » . إنّك تعرف أنّ الأرض ربعها يابس وثلاثة أرباعها ماء ، هذا الماء كلّه مالح أجاج . لكن اللّه تعالى بفضله ورحمته يقطر للإنسان والحيوان والنبات من هذا الماء الأجاج ماء عذبا فراتا سائغا للشاربين . أمّا جهاز التقطير فليس كمثله جهاز . البحار كلّها في ذلك دست « 3 » لا يسخن من تحت ، كما يفعل الانسان في تقطيراته التافهة ، ولكن يسخن من فوق بنار تفوق حجم الأرض بآلاف المرّات . فإذا ما تبخّر الماء بحرارة الشمس تكثف في مكثف ناهيك من مكثف الجوّ المحيط كلّه والجبال . والرياح مستمرّة دائبة في حمل هذا البخار المتكاثف ونقلها إلى حيث يشاء اللّه . فإذا أمطرت السماء وسالت الأودية وفاضت الأنهار وحملت الخصب

--> ( 1 ) المزن : السحاب المشبّع بالماء . ( 2 ) الواقعة : 68 - 70 . ( 3 ) كلمة عامّية بمعنى المرجل : القدر ، وهو كلّ ما يغلى فيه الماء .