محمد هادي معرفة
138
التمهيد في علوم القرآن
هذا ، وقد استسلم الشيخ الطنطاوي للنظرة الحديثة عن أصل الخلقة ، وحاول التوفيق بينها وبين النصّ القرآني محاولة ظاهرها البتّ والقطع من الأمر . لكنّا نقول - كما يقول سيّد قطب وقد أسلفنا شطرا من كلامه في صدر هذا الحقل - : ونحن لا نحاول أن نحمل النصّ القرآني المستيقن على نظرية غير مستيقنة ، تقبل اليوم وقد ترفض غدا ، لذلك لا نحاول أن نوفّق بين النصوص القرآنية والنظريات التي تسمّى علمية ، وهي شيء آخر غير الحقائق العلمية الثابتة القابلة للتجربة ، كتمدّد المعادن بالحرارة وتحوّل الماء بخارا وتجمّده بالبرودة ، ونحو ذلك ، وهي شيء آخر غير النظريات العلمية . إنّ القرآن ليس كتاب نظريات علمية ولم يجئ ليكون علما تجريبيا كذلك ، إنّما هو منهج للحياة كلّها ، منهج لتقويم العقل ليعمل وينطلق في حدوده ، دون أن يدخل في جزئيات وتفصيليات علمية بحتة ، فهذا متروك للعقل بعد تقويمه وإطلاق سراحه في حدوده المضروبة . نعم ، قد يشير القرآن أحيانا إلى حقائق كونية كهذه الحقيقة التي يقرّرها هنا : أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما « 1 » . ونحن نستيقن هذه الحقيقة لمجرّد ورودها في القرآن ، وإن كنّا لا نعرف منه كيف كان فتق السماوات والأرض ، أو فتق السماوات عن الأرض . ونتقبّل النظريات الفلكية التي لا تخالف هذه الحقيقة المجملة التي قرّرها القرآن ، ولكنّا لا نجري بالنصّ القرآني وراء أيّة نظرية فلكية ، ولا نطلب تصديقا للقرآن في نظريات البشر ، وهو حقيقة مستيقنة . وقصارى ما يقال : إنّ النظريات الفلكية القائمة اليوم لا تعارض المفهوم الإجمالي لهذا النصّ القرآني ، السابق عليها بأجيال « 2 » . * * *
--> ( 1 ) الأنبياء : 30 . ( 2 ) في ظلال القرآن : ج 5 ص 530 وراجع أيضا ج 7 منه ص 224 - 230 .