محمد هادي معرفة

90

التمهيد في علوم القرآن

وإنما لم يظهر ذكر المسبّب عند ذكر سببه - فيقول « يا أرض ابلعي » فبلعت « ويا سماء أقلعي » فأقلعت - لأمرين أمّا أوّلا فلما في ذلك من الاختصار العجيب والايجاز البليغ ، فاكتفى بذكر السبب عن ذكر سببه ، وهذا كثير في القرآن كقوله تعالى فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ لأنّ المعنى فضرب فانفجرت . وأمّا ثانيا فلما فيه من الإشارة إلى باهر القدرة في سرعة الإجابة ، ووقوع الامتثال ، وحصول المأمور من غير مخالفة هناك ، فترك ذكره اتّكالا على ما ذكرناه ، وأنه كائن لا محالة لا يمكن تأخره . واختير بناء « غيض » لما لم يسمّ فاعله على ( غيّض ) بتشديد الياء مبنيا للفاعل لأمرين : أمّا أوّلا فمن أجل الإيجاز لطرح الفاعل والاختصار فيه . وأمّا ثانيا فمن أجل الاستحقار عن تعريض ذكر اللّه تعالى على أحقر المقدورات بالإضافة إلى جلاله ، والمقام مقام الكبرياء والعظمة . وإنما اختير لفظ « الماء » ولم يقل الطوفان ولا المطر إيثارا للاختصار ، ولما فيه من الإشارة باللام التي للعهد ، كأنه قال : وغيض الماء الذي أمرنا الأرض والسماء بإيقاعه ، بيانا لحاله وإيضاحا لأمره ، وأنه الذي وقع الإهلاك به لقوم نوح ، فيعظم الامتنان على من بقي في السفينة بإزالته . وإنّما قال « الأمر » في قوله تعالى : وَقُضِيَ الْأَمْرُ ولم يقل وقضي أمر نوح ، أو قضي الهلاك ، أو قضي الإغراق لأمرين : أمّا أوّلا فلأجل إيثار الاختصار وتعويلا على الإيجاز . وأمّا ثانيا فلأنّ وقوع ما وقع إنما كان من أجل العناية بنوح في إغراق قومه وإظهار الانتصار له ، فجاء باللام العهدية إشارة إلى ذلك ، مع ما تضمّن من الفخامة في معرض الامتنان على نوح بالانتقام من قومه بما كذّبوه . وإنما اختير « واستوت على الجوديّ » ولم يقل : سوّيت كما قال : وغيض ، وقضي ، على البناء للمفعول لأمرين : أمّا أوّلا فمن أجل ثقل الفعل بالتضعيف عند بنائه لما لم يسمّ فاعله ، فلهذا أوثر الأخفّ . وأمّا ثانيا فلأنّ الأكثر في