محمد هادي معرفة

84

التمهيد في علوم القرآن

تكوين المقصود ، إرادة لتصوير اقتداره الباهر ، وتقريرا لاستيلاء سلطانه القاهر ، وأنّ السماوات والأرضين على ما اشتملا عليه من هذه الأجرام العظيمة والاتّساعات الممتدّة تابعة لإرادته في الإيجاد والإعدام ، ومنقادة لمشيئته في التغيير والتبديل ، وأغرق في التشبيه ، بأن جعلهم كأنهم عقلاء مميّزون ، قد عرفوه حقّ معرفته ، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه ، فحتّموا على أنفسهم بذل المجهود في مطابقة أمره وتحصيل مراده ، لما وقع في أنفسهم من مزيد اقتداره ، وتصوّروا في ذات عقولهم كنه عظمته . فعند ذلك عظمت المهابة له في نفوسهم ، واستقرّت حقيقة الخوف من سطوته في قلوبهم ، فضربت سرادقات المهابة والخوف في أفئدتهم ، فألقت أثقالها في ساحات ضمائرهم علما بما تستحقّه من جلال الإلهية ، وتحقّقا لما يختصّ من سمات الربوبية ، تخفق على رؤوسهم رايات المحامد بتحقّق معرفته ، وتعقد عليهم ألوية المهابة والخشية من خشيته ، فلا مطمع لهم في خلاف مراده ، ولا تشوّق لهم إلى تأخّر عن مقصوده ، وكلّما لاح لهم وميض من برق إشارته كان المشار إليه مقدّما ، وكلّما توهّموا ورود أمره كان ذلك الأمر بسرعة الامتثال مكمّلا متمّما ، فلا يتلقّون إشاراته بغير الامتثال ، ولا يقابلون أوامره بغير الانقياد ، فسبحان من شملت قدرته جميع الممكنات تكوينا وإيجادا ، وأحاط بكلّ المعلومات إحكاما وإتقانا ، فهذا تقرير نظم الكلام وتأليفه . ثم إنا نعطف على بيان روابط المجاز وعلائقه في الآية ، فقال عز من قائل « قيل » على جهة المجاز عن الإرادة ، ثم إنه حذف الفاعل وجعله في طيّ الفعل ، إبهاما وإعظاما لحاله عن الذكر عند عروض أمر هذه المكوّنات على جهة الذّلّ والتسخير ، ثم جعل قرينة المجاز مخاطبته للجمادات كما في قوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي على جهة التشبيه لمّا جعلا بمنزلة من عقل الأمر وفهم عظم الاستيلاء ، ثم استعار لفور الماء في الأرض اسم