محمد هادي معرفة

76

التمهيد في علوم القرآن

المبالغة دون غيره . الجهة الثالثة : تنكير قوله « شيبا » لإفادة المبالغة ، ثم إنه ترك لفظ ( منّي ) في قوله « واشتعل الرأس شيبا » اتّكالا على قوله « وهن العظم منّي » ثم إنه أتى به في الأول بيانا للحال وإرادة للاختصاص بحاله في إضافته إلى نفسه . ثم عطف الجملة الثانية على الجملة الأولى بلفظ الماضي ، لما بينهما من التقارب والملاءمة . فانظر إلى هذا السياق المثمر المورق ، وجودة هذا الرصف المعجب المونق ، كيف ترك جملة إلى جملة ، إرادة للإجمال بعده التفصيل ، من أجل إيثار البلاغة حتى انتهى إلى خلاصها ، ودهن لبّها ومصاصها ، وهو جوهر الآية ونظامها بأوجز عبارة وأخصرها ، وأظهر بلاغة وأبهرها . واعلم أنّ الذي فتق أكمام هذه اللطائف حتى تفتّحت أزرار أزهارها ، وتعانقت أغصانها ، وتأنقت أفنانها ، وتناسبت محاسن آثارها ، هو مقدّمة الآية وديباجتها ، فإنه لمّا افتتح الكلام في هذه القصّة البديعة بالاختصار العجيب ، بأن طرح حرف النداء من قوله « ربّ » وياء النفس من المضاف ، أشعر أولها بالغرض ، فلأجل تأسيس الكلام على الاختصار عقّبه بالاختصار والإجمال ، واكتفى بذكر هاتين الجملتين عمّا وراءهما من تلك المراتب العشر التي نبّهنا عليها والحمد للّه « 1 » . أعجب آية باهرة : قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ « 2 »

--> ( 1 ) الطراز : ج 3 ص 416 - 420 . ( 2 ) هود : 44 .