محمد هادي معرفة
74
التمهيد في علوم القرآن
الإجمال والتفصيل ، فاتل قصّة زكريّا ( عليه السّلام ) وقف عندها وقفة باحث وهي قوله تعالى قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً فإنك تجد كل جملة منها بل كل كلمة من كلماتها تحتوي على لطائف ، وليس في آي القرآن المجيد حرف إلّا وتحته سرّ ومصلحة فضلا عمّا وراء ذلك ، والكلام في تقرير تلك اللطائف الإجمالية وما يتلوها من الأسرار التفصيلية مقرّر في معرفة حدّ الكلام وأصله ، وأنّ كلّ مرتبة من مراتب الإجمال متروكة في الآية بمرتبة أخرى مفصّلة ، حتّى تتّصل بما عليه نظم الآية وسياقها ، وجملة ما نورده من ذلك درجات عشر ، كل واحدة منها على حظّ من الإجمال ، بعدها درجة أخرى على حظّ من التفصيل ، حتى تكون الخاتمة هو ما اشتمل عليه سياقها المنظوم على أحسن نظام ، وصار واقعا في تتميم بلاغتها أحسن تمام . ( الدرجة الأولى ) نداء الخفية ، فإنّه دالّ على ضعف الحال وخطاب المسكنة والذلّ حتى لا يستطيع حراكا ، وهو من لوازم الشيخوخة والهزال ، ولما فيه من التصاغر للجلال ، والعظمة بخفض المصوب في مقام الكبرياء وعظم القدرة ، فهذه الجملة مذكورة كما قرّرناه ، وهي مناسبة لحاله ، ولهذا صدّرها في أول قصّته لما فيها من ملائمة الحال وهضم النفس واستصغارها . وافتتاحها بذكر العبودية يؤكّد ما ذكرناه ويؤيّده . ( الدرجة الثانية ) كأنه قال : يا رب إنه قد دنا عمري ، وانقضت أيام شبابي ، فإنّ انقضاء العمر دالّ على الضعف والشيخوخة لا محالة ، لأنّ انقضاء الأيام والليالي هو الموصل إلى الفناء والضعف وشيب الرأس ، ثم إنّ هذه الجملة صارت متروكة لتوخّي مزيد التقرير إلى ما هو أكثر تفصيلا منها ممّا يكون بعدها . ( الدرجة الثالثة ) كأنه قال : قد شخت فإن الشيخوخة دالّة على ضعف البدن وشيب الرأس ، لأنها هي السبب في ذلك لا محالة .